السبت , 24 فبراير 2024
الرئيسية » منبر حر » الجاوي مثقف راهنَ على وحدة متخيلة

الجاوي مثقف راهنَ على وحدة متخيلة

25/12/2023

 

متابعات
من الشخصيات التي لا يختلف اثنان على جسارته وكونه وطناً في فرد، وأن له تأثيراً في مسار الاتجاه اليساري خارج نظام دولة اليسار ، معارضاً بواجهة ثقافية نابت عن المعارضة السياسية المحرمة في زمن الحزب الواحد.

كان على رأس هرم اتحاد الأدباء والكتاب (اليمنيين)، خارج الروتين الأدبي والثقافي، فقد جعل من الاتحاد دولة ثالثة فوق الدولتين في عدن وصنعاء اللتين ينتمي إليهما أعضاء جمهوريته (الاتحاد).

أبرز ما في الجاوي أنه كان وحدوياً، لكن بطوباوية مثقف يؤمن بشعار “الوحدة هي الحل”، الذي تمت أدلجته سياسياً خارج إطار سياقات الواقع والتاريخ، فكان اتحاد الأدباء جبهة ثقافية لوحدة سياسية بين نظامين لكل منهما تصوره للوحدة المختلفة بالضرورة عن تصور الجاوي.

وإذ أعلنت الوحدة بين النظامين رأى فيها الحدث الأكبر الذي أنجزته الأجيال كمهمة رئيسة لاتحاد الأدباء، على عكس ما رآه عبدالله البردوني (أول رئيس للاتحاد)، إذ لم ينظر إلى إعلان الوحدة بطوباوية الجاوي، بل كان رأس المعارضة لإعلانها، وعبر عن رؤيته نثراً وشعراً، ومن ذلك قصيدته “ربيعية الشتاء” التي تنبأ فيها باحتراب معلنيها، ولم تخب نبوءته فقد انتهى إعلان تلك الوحدة بحرب 1994، صيفَ أن أفاق الجاوي من طوباوية المثقف الوطني، ليرى في جحافل من اجتاحوا عدن غزاةً نهّابة، ثم كان في المعارضة لوحدة معمدة بالدم، في صفوف الاحتجاجات الأولى، ورحل عن عالمنا مثخناً بخيبة الأحلام.

لقد كان الجاوي من الشخصيات المؤثرة في تكوين وعي الجيل الشاب وطنياً وثقافياً، وأذكر أن أول مقال نشرته في “صحيفة الأيام” كان عنه، بعيد إعلان نتائج انتخابات 1993 التي لم يفز فيها، وفاز بالأصوات مرشح آخر ، فأدركت حينئذ أن انتخابات لا يفوز فيها الجاوي لا تؤدي إلى بناء دولة مدنية دستورية، ولعلي أنهيت المقال بعبارة تساؤلية: “أي برلمان هذا لا تسطع تحت قبته صلعة الجاوي”، فغسلت يدي بالتراب من وحدة لا تتسع للوحدوي الأول، غير مأسوف عليها، و إذ اخترت موضوعاً لرسالة الماجستير ، 1995، لم يشرق في عقلي سوى البردوني، فدرست شعره أسلوبياً، لأدنوَ من عالَم فيلسوفٍ راءٍ، لم يفهم صنعاء السياسية أحد مثله عمقاً ورؤيةً، مؤرخاً وشاعراً، لم يهادن سلطة يوماً ولا حاكماً، تماماً كالجاوي العصيّ على الترويض.

في ذكرى الأستاذ عمر الجاوي، أتساءل لماذا لا يُدرَس أثراً ودوراً، فهو شخصية لم تمر مستظلةً بجدران التهيب والتردد، له ما له وعليه ما عليه، لكنه مثقف مختلف لاسيما في تجربة الاتحاد، ثم في المعارضة السياسية كمفكر لا يستهويه شيء من برستيج الساسة ومثقفي السلطات والأنظمة.