الجمعة , 17 سبتمبر 2021
الرئيسية » اخبار وتقارير » الحارس الشخصي للرئيس صالح يروي .. خفايا السقوط السريع للحراسة وقصة الساعات الأخيرة من حياة عفاش وحكاية هروبه من صنعاء إلى سيئون

الحارس الشخصي للرئيس صالح يروي .. خفايا السقوط السريع للحراسة وقصة الساعات الأخيرة من حياة عفاش وحكاية هروبه من صنعاء إلى سيئون

26/08/2021

 

متابعات
حارس علي عبدالله صالح الشخصي لـ”اندبندنت عربية”: أُبلغنا بمحاولة اغتيال الرئيس قبل تفجير “جامع دار الرئاسة” من سفارة أجنبية والحوثيون استخدموا 7 آلاف مقاتل في انتفاضة ديسمبر التي قتل على إثرهاولم يكن الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح يأخذ درس الرقص الخاص به بمفرده، إذ اعتاد على اصطحاب رجاله المقربين معه إلى عرض الرقص على رؤوس الأفاعي التي اعتاد ممارستها، كنموذج حكم به البلاد طوال عقود جلس فيه على سدة الرئاسة قبل وبعد الوحدة.
في عقده الأخير على الأرض لازمه ظل له يدعى عصام دويد أو “الفندم” كما يسميه رجاله في الجندية، كان شاهداً على أشهر رقصات الرئيس الخطرة، كيف لا وقد اختاره صالح لهذه المهمة، ليتلقى بالنيابة عنه لدغة الثعبان الأكثر سمية عندما تزل قدمه على وقع الموسيقى السريعة التي لم يعد جسده المسنّ قادراً على مجاراتها، وهذا ما فعله بالفعل، فقد كان حاضراً في أشهر محاولات الاغتيال، إلا أنه لم يتلق الرصاصة الأهم في رقصة الزامل الأخيرة، لتصيب رأس الزعيم وينجو الظل بأعجوبة.

“الفندم” لديه ما يقوله

لا يمكن فهم طبيعة فترة حكم الرئيس اليمني الراحل وتفاصيلها المثيرة للجدل وما اكتنفته بمعزل عن طاقمه المحيط الذي التصق به زهاء ثلاثة عقود ونيف، واختير أفراده بعناية شخصية فائقة، كما هو حال “الفندم” الذي لم يتذكر جيداً كيف اقتنصه صالح من بيت والده، ففي ذلك اليوم كان صالح يقود بنفسه سيارته المرسيدس يتبعه موكب طويل من عربات الدفع الرباعي ظهيرة أحد أيام شهر يونيو (حزيران) عام 1993 بمنطقة “بني مطر” غرب العاصمة صنعاء. وقف جانباً وأشار بالاقتراب إلى شاب عشريني فارع القامة متقد الذهن يرتدي المعوز “الإزار اليمني”، ويتمنطق الكلاشنكوف ومخازن الرصاص على صدره، كان يقف مع جملة مستقبلي الرئيس خلال زيارته الداخلية، وسأله إن كان أحد أبناء صديقه الشيخ القبلي البارز أحمد صالح دويد فأجابه بنعم، وبعد أن سأله عن اسمه عرف أنه عصام.
لفت عصام بنباهته نظر صالح بعد أن جاء تشبيهه في محله، ومثلما أصر أن يشاركه مأدبة الغداء التي أقيمت على شرف “الزعيم” ذلك اليوم، أصر أن يلحقه بطاقمه الأمني الخاص بعد أن سخر من اسمه “عصام” مداعباً، كونه “اسم مدني لا يليق بابن شيخ قبلي وولد بنباهة عسكرية”، لتبدأ قصة علاقة عصام دويد الحارس الشخصي للرئيس الأطول حكماً في تاريخ اليمن، وضيف “اندبندنت عربية” في حوار حرصنا أن يكشف عن جوانب من حياة “صانع الوحدة اليمنية” لم يتطرق إليها أحد من قبل.

في شقته بالقاهرة استقبلنا بترحاب وحفاوة ابن القبيلة والريف، وسألناه بداية عن أخباره منذ اختفائه المثير للجدل عن العاصمة صنعاء عقب مقتل الرئيس السابق على يد الحوثيين، ليجيب “أنا هنا أعيش حياة هادئة بعيداً من الوطن وضجيج الأوضاع التي تؤلمنا”.
قبل أن يبادر مضيفنا بصب الشاي بدوت عجلاً لمعرفة جملة التفاصيل المثيرة التي اكتنفت طريقة ومكان مقتل صالح، وتداعيات تحالفه مع ميليشيات الحوثي وخلافه مع الرئيس هادي ومحاولة اغتياله في جامع دار الرئاسة في يونيو (حزيران) 2011، ولكني حرصت أن يبدأ الحوار على هيئة تسلسل منطقي للأحداث التي حكاها ضيفنا بدءاً من معرفته الأولى بصالح، وحتى مغادرته صنعاء سيراً على الأقدام إحداهما كانت تنزف دماً جراء شظية حوثية سكنت عضلة ساقه اليسرى، في رحلة مضنية امتدت يوماً كاملاً عبر الجبال الشاهقة شرقاً.
عصام المولود عام 1974 في قبيلة خولان بني شداد جنوب صنعاء نشأ وترعرع في العاصمة كون والده شغل مناصب عدة، وتخرج في جامعة صنعاء عام 1998 من كلية التجارة بتخصص إدارة الأعمال، ثم التحق بكلية الضباط الجامعيين بالأردن بأمر من الرئيس صالح، قبل أن يغدو كبير وقائد الحراسة الشخصية لعلي عبدالله صالح.

اسم مصري في ضيافة الرئيس

في ذلك اليوم أوقف الرئيس صالح سيارته وفتح زجاج النافذة وكان بجانبه نائبه حينها علي سالم البيض وعبد الكريم العرشي ومجاهد أبو شوارب، وقال لعصام “أنت دويد؟” فأجاب بنعم، ثم التفت مخاطباً البيض بحسب ما يقول ضيفنا، “هذا ولد الشيخ أحمد صالح دويد عرفته من الصورة طبعه أبوه طبع (يشبه والده حد التطابق) ثم أمسك يدي وقال: ايش (ما هو) اسمك، فقلت عصام، ورد مبتسماً: هذا اسم مصري… قلت له اسأل أبي هو الذي سمّاني”.
بعد أن تحرك الموكب إلى مأدبة الغداء طلب عصام من والده الدخول معه عند الرئيس فرفض كونه أمراً فيه تعد على مراسم الأخير. يقول، “انتظرت مع جملة الضيوف في مجلس خارجي، وفجأة خرج العميد علي الشاطر وهو من المقربين لصالح وكان يشغل منصب مدير دائرة التوجيه المعنوي للجيش ونادى أين عصام؟ فقلت له متحفزاً من عصام؟ قال عصام دويد فنهضت منتشياً ثم قال تفضل وحط (ضع) البندق وتعال، دخلت صالة الطعام وعندما رآني الرئيس ناداني وأشار إليّ بالمجيء وأفسح لي بجانبه وفور جلوسي ناولني بيده كلية الخروف كتقدير منه”.

كانت هذه أول معرفة بين عصام والرئيس التي تجسدت “بالعيش والملح” الذي يعني لليمنيين وسائر العرب ربط وثيق عرى المحبة والود والتقدير.
في ذلك اليوم “عرض علي الرئيس العمل معه، وقال لي تعال عندي في الحرس الخاص نؤهلك لتصبح قائداً وكرر عليّ طلبه، والتحقت بكلية الضباط الجامعيين في الزرقاء بعمّان”.
خلال تلك الفترة ظل صالح يتابع أخبار عصام بين حين وآخر باهتمام شديد كما لو كان تاسع أولاده. يضيف، “بحكم قربي وأخي علي من والدي فيما بقية إخواني يدرسون في أميركا نساعده في حل الأمور القبلية، كان الرئيس يطلب من الوالد التحرك لحل القضايا الخاصة بخولان، وكان يقول جهز المشايخ ويكون عصام معهم، فتوطدت علاقتي به وكلما قابلناه كان يجلسني إلى جانبه”.

حرب 94 والـ 50 حارساً

في صيف عام 1994 بلغ الخلاف أوجه بين شريكي دولة الوحدة، علي عبدالله صالح من جهة، ومن جهة أخرى علي سالم البيض والحزب الاشتراكي اليمني، وهي الخلافات السياسية التي نشأت عقب توحيد شطري اليمن الشمالي والجنوبي في دولة واحدة عام 1990 عرفت باسم الجمهورية اليمنية، وهيأت الظروف الموضوعية لاندلاع الحرب بين الطرفين، التي انتهت باجتياح قوات صالح الشمالية للمحافظات الجنوبية بقوة السلاح.
يؤكد ضيفنا مشاركته في هذه الحرب مع قوات صالح في معسكر العند، وهو الدور الذي منح إثره ترقية من الرئيس الحالي عبدربه منصور هادي الذي كان يشغل حينها منصب وزير الدفاع، إلى رتبة ملازم ثاني “كنت من ضمن المشاركين طوال الحرب حتى دخول عدن، وبعدها حاولت الالتحاق بالكلية العسكرية بحسب توجيهات الرئيس، لكن عميدها رفض بحجة أني ابن شيخ قبلي ولدي رتبة عسكرية، فلو تم قبولي في ظل منافسة شديدة سأثير غضب الزملاء وسأعامل معاملة سيئة جداً فصرفت النظر”.

عقب الحرب وتداعياتها انقطع عصام عن الرئيس عدا بعض المناسبات العامة، والسبب أنه أحال ملف تعيينه لنجله الأكبر “أحمد” الذي كان يشغل منصب قائد القوات الخاصة (شغل لاحقاً منصب قائد قوات الحرس الجمهوري)، وظل بدوره يعده بترتيب وضعه من دون أن يتم شيء في الأمر، “عقب ثلاثة أشهر من تخرجي في كلية الضباط الجامعيين التقينا الرئيس في عيد الأضحى للسلام عليه وبادر بسؤالي “ليش (لماذا) ما تعسكرت، قلت له ابنك ما قد جاب لي (أعطاني) عمل، كل شوية يقول لي انتظر، فقال باهتمام كبير تعال لي يوم الثلاثاء”.
في صباح اليوم الموعود صيف عام 2001 اتجه عصام إلى دار الرئاسة للقاء صالح، “وصلت والرئيس خارج بموكبه وبجانبه نائبه عبدربه منصور، وعندما رآني ترجل من سيارته وأمسك يدي وكان يومها مطر غزير ثم أمر الفندم طارق محمد عبدالله (نجل شقيق صالح وكان قائد الحرس الخاص) بضمي إلى الحرس الخاص في الكتيبة الأولى التي ترافقه وتضم 50 فرداً”.
وليمة الديك التي لا ينساها “الزعيم”
في اليوم التالي جاء عصام مرتدياً بزته العسكرية ذات اللون الأخضر الخليط بين الغامق والفاتح، والطاقية القانية، وهو الزي المهيب الذي كان يميز قوات صالح الخاصة عن بقية التشكيلات العسكرية الأخرى، وفي أول يوم رسمي له إلى جانب رئيس الجمهورية وصل عصام في ساعات الصباح الأولى إلى باحة دار الرئاسة جنوب العاصمة، بمبانيه وحدائقه التي تتقدم جبلين صغيرين متوازيين يسميان بـ “النهدين” وفيما كانت السماء تمطر كان ينتشي تحت مزاريبها بدفء الثقة التي منحها له الرجل الأول في بلد مرتعش على الدوام، غير آبه بزخات الماء التي قد تسيء لأناقة البزة الجديدة.
كان صالح، وفقاً لمرافقه، يصحو باكراً وبعد أن يتناول إفطاره يتجه إلى الحدائق التي تحيط بفيلاته المنتشرة على امتداد داره. لقد أطل بأناقته المعتادة وخطواته السريعة ونظراته القلقة الحاسمة، يسأل عن نائبه هادي الذي وصل لتوه.
يروي، “تحرك الرئيس بموكب الـ(رنج روفر) المدرعة في التاسعة إلى منطقة العروس ما بين حبابة وثلا، فقد كان يحرص أيام الأمطار على الخروج إلى الوديان والمزارع المحيطة بصنعاء والمناطق القريبة من مسقط رأسه في قرية سنحان جنوب صنعاء، وبعد أن توقف الموكب على رابية تطل على الوديان، نزل الجنود وأحاطوا بسيارة الرئيس”.
يضيف، “فجأة نادى الرئيس باسمي أمام زملائي، وعندما قدمت إليه وحييته عسكرياً، أشار بيده على منازل ريفية تبعد عن مكاننا نحو 400 متر، ثم قال لي روح (اذهب) واسأل على بيت فلان بن فلان وذكر لي اسمه الرباعي، اسأل عنه كم له منذ توفي، ثم سألني هل حفظت الاسم؟ وطلب أن أذكّره كي يتأكد من حفظي، تحركت وأنا أشعر باعتزاز كونه كلفني بهذه المهمة، وأدركت أنه كان يريد إبرازي وتشجيعي أمام زملائي في أول يوم لي معه”.
يواصل، “عدت للرئيس وأبلغته أن الشايب (الشيخ) الذي سأل عنه ما يزال على قيد الحياة، وقال مندهشاً مش معقول؟ ثم نزل من السيارة مسرعاً ومعه نائبه هادي والشيخ مجاهد أبو شوارب”.

يحكي عصام عن قصة أدهشته عندنا سمعها من الرئيس، تلخصت في ذاكرته القوية، يقول “بينما كنا نسير على الأقدام كان الرئيس يشرح لنائبه عن هذا الرجل الذي يسابق لأجله رطوبة الأرض المبتلة، ويقول جئته قبل 40 سنة وكنت حينها عريفاً في الجيش ومعي فلان وفلان، منفذين (مهمة) من حريب بمأرب”، استطرد “طرقنا الباب واستقبلنا أبناء الشيخ في المجلس في الدور الثاني، وبعد أن سلم عليه وقبل يده قال له عرفتني؟ قال نعم أنت الرئيس. ثم رد عليه، أنا جئتك قبل 40 سنة وعادني عريف أنا واثنين من الزملاء، وأكرمتنا وذبحت لنا ديكاً وما تركتنا نمشي إلا اليوم الثاني بعد الغداء”، ليأمر الرئيس بترميم منزل الرجل وقدم له مساعدة مالية ووجه بتوظيف أبنائه.
تفجير “دار الرئاسة”
عندما بلغت الأزمة السياسية في البلاد أوجها عقب اندلاع مواجهات عنيفة في العاصمة صنعاء بين القوات الحكومية الموالية للرئيس صالح ومسلحين قبليين يتبعون أبناء الشيخ الأحمر في منطقة “الحصبة” يساندهم اللواء الركن على محسن صالح الأحمر، قائد الفرقة الأولى مدرع، ذراع صالح الطولى لدى الجيش ومعظم القبائل، تعرض الرئيس صالح في الثالث من يونيو 2011 لمحاولة اغتيال بتفجير جامع دار الرئاسة أثناء تأديته ومسؤولي الصف الأول في الدولة صلاة الجمعة، تعرض إثرها لحروق بالغة وقتل في العملية نحو 11 من حراسه الشخصيين، إضافة لرئيس مجلس الشورى عبدالعزيز عبدالغني لاحقاً، وهنا يسرد دويد قصة الحادثة التي ألحقت به إصابات بليغة ما تزال آثارها تعلو وجهه، كونه كان يقف خلف صالح كما جرت العادة، “اتجهنا صحبة الزعيم كالمعتاد لأداء صلاة الجمعة، وعقب الخطبة وقفنا للصلاة وبعد إكمال الفاتحة حدث الانفجار، ولا أذكر ما الذي جرى لي”.

بشيء من التفصيل يتحدث عن طبيعة الانفجار الذي هو عبارة عن “أربع عبوات شديدة التفجير، واحدة لم تنفجر، تزن كل عبوة كيلوغرامين من المواد سريعة الاشتعال، زرعت اثنتان عن يمين وشمال المنبر، أي أنها تستهدف واجهة الصف الأول حيث سيقف الرئيس للصلاة، فيما تم زرع الثالثة خارج الجامع، والرابعة بجوار خزان الغاز الخاص بالرئاسة الذي كان يحوي كمية غاز قدرت بنحو 1.8 طن، الذي إن تعرض للانفجار فسيحدث دماراً ضخماً في مباني الرئاسة كافة، وفقاً لمحاضر التحقيق وتقديرات الخبراء”.
عما تعرض له يوضح، “بعد الانفجار بالكاد لاحظت أن النار تشتعل في جسدي فنزعت الجاكت الذي كنت أرتديه واستخدمته في إطفاء نفسي، ثم فقدت النظر تماماً بعد أن تعرضت لـ27 شظية واحترق وجهي وكنت أنادي، أين الرئيس وكررتها إلى أن جاء أحد حراسات البوابات وقال لي الرئيس أسعفوه قوات التدخل السريع إلى مستشفى وزارة الدفاع ثم جاء أخي سنان يبحث عني، وطلب مني الجهاز اللاسلكي لكي يطلب لي ولأخي الأكبر نعمان (كان بجوار صالح) سيارة إسعاف فأخبرته أني لا أراه، فجاء وأخذ الجهاز بنفسه وطلب سيارة الإسعاف، وتم إسعافنا على مراحل وتلقينا العلاج اللازم إلى أن تم نقلنا بطائرة إخلاء طبي وجه بها الملك عبدالله رحمه الله إلى السعودية”.

كيف حصل الاختراق الأمني؟

يتحدث عصام عن تفسيره لهذا الاختراق الأمني والمعلومات التي وصلتهم عن أخطار محتملة “وعلى الرغم من التحذيرات التي نطرحها عليه، إلا أن الزعيم كان لا يكترث لها، وبالفعل وردتنا قبل تفجير الجامع معلومات من سفارة دولة غربية (لم يسمها) بوجود أخطار أمنية”.
عقب تلقيه هذه المعلومات هل خشي صالح على نفسه؟ “نحن اتخذنا احتياطاتنا أما الرئيس فلم يكن يهتم، بل إنه يومها كان مصراً أن يخرج إلى السبعين للالتقاء بجموع المؤيدين”.
بتفاصيل أدق يوضح، “في الـ 10 صباحاً خرج الرئيس إلينا وكنت أول من التقاه، وكان ينتظر قدوم وساطة قبلية لتهدئة الاشتباكات في منطقة الحصبة ومحيطها، تتكون من نائب رئيس مجلس النواب الشيخ حمير الأحمر وعدد من المشايخ، ولكنهم اتصلوا فجأة وأبدوا اعتذارهم من عدم الحضور، متحججين بمضايقات أمنية تعرضوا لها من قبل حراسة دار الرئاسة، بينما كانت إجراءات عادية كالمعتاد”.

ويوضح أن صالح كان ينوي يومها الخروج عقب الصلاة إلى ميدان السبعين لالتقاء جموع مؤيديه في مظاهرة خرجوا بها بموازاة الانتفاضة الشعبية التي أتت في سياق ما سمّي بـ”الربيع العربي”، “ولكني أبلغته بشكل حازم أن الظروف الأمنية ليست مواتية، واعترض وقال لا، سأخرج”.
يستطرد، “ظل غير مقتنع إلى أن جاء عدد من المسؤولين بينهم رئيس مجلس النواب يحيى الراعي، ورئيس الوزراء علي مجور ورئيس مجلس الشورى عبدالعزيز عبدالغني وأخي نعمان والشيخ ياسر العواضي وغيرهم، وأقنعوه بعدم الخروج من الرئاسة، واقتنع أخيراً كونه من النوع الذي يقتنع بصعوبة”.
عن دوافع الإصرار على عدم خروج الرئيس إلى ميدان السبعين الملاصق لدار الرئاسة يقول، “كنا نخشى من أي استهداف قد يتعرض له الرئيس بواسطة أي سلاح عن بعد، ولهذا لم نكن نتوقع إطلاقاً أن يصل الاستهداف إلى داخل الرئاسة وفي الجامع الذي له حرمته ومكانته لدى كل مسلم، بخاصة وقد أفشلنا محاولتي اغتيال إحداهما بواسطة قناص والأخرى بواسطة انتحاري نترك تفاصيلها للزمن”.
وعند سؤالنا له عن المنفذين تأمل صامتاً بضع ثوان قبل أن يحسب بعمق ما بقي من سيجارته ثم يرد، “كل الجناة موثقة أسماؤهم في محاضر تحقيق وهم معروفون ومثبتون”.
لماذا لا تفصح؟ سألته ليجيب، “سنكشف عنهم في اللحظات المناسبة عند استعادة الدولة وعودة القضاء”.
الملك عبدالله وفكرة ترك السلطة
لطالما تردد أن صالح لم يكن راغباً بقبول المبادرة الخليجية انطلاقاً من رفضه المبدئي ترك السلطة، ودخوله عقب عودته من السعودية في موجة خلاف سياسي حاد مع خلفه الرئيس هادي بسبب تمسكه بمنصب رئيس المؤتمر الذي يشغله رئيس الجمهورية، وفقاً لمادته الداخلية، ويعلق ضيفي، “لم يكن هذا صحيحاً، والدليل أن صالح هو من دعا للمبادرة الخليجية وهو صاحب الفكرة بالأساس بعد تواصله مع الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي أبدى حرصاً شديداً على تهدئة التوترات في بلادنا، والدخول في مسار سلمي ينهي الأزمة”. يواصل، “حدث هناك تباين سببه دعوة الرئيس صالح لعقد مؤتمر ثامن تنتخب اللجنة الدائمة بموجبه رئيساً جديداً للحزب وهذه نقطة الخلاف”.
إذاً كان لدى صالح رغبة واضحة للبقاء في السلطة مع نوازع العودة لها من بوابة حزبه الذي أسسه معية الشيخ القبلي عبدالله حسين الأحمر عام 1982، “الزعيم كان قبل كل هذه الأحداث يطرح فكرة تركه السلطة وعزمه الخلود للراحة، وكان يسعى إلى إخراج البلاد لبر الأمان وإكمال بنود المبادرة الخليجية، وعقد انتخابات رئاسية عقب سنتين من التوقيع عليها، ولكن الظروف جاءت بغير ذلك”، وهي المعلومات التي يخالفها كثير ممن أحاطوا به وأكدوا تمسكه بها ورغبته في توريثها لنجله أحمد.

في تلك الفترة كانت القوى العسكرية والحزبية المؤثرة في مشهد الأحداث العام قد صنعت لنفسها تقارباً من نوع خاص مع الرئيس هادي، استغلالاً لجملة الظروف الطارئة بفعل نجاحها في السيطرة على الشارع، وتقديم نفسها كخلفية شعبية مساندة له بعد أن ظلت تربط نجاحه بذلك من عدمه، هذا الحال وفقاً لدويد “أحدث نوعاً من العزلة بين الرئيس هادي وسلفه الزعيم صالح، وقد لوحظت بوادر عملية إحلال وإبدال جذري ضد كوادر وقيادات حزب المؤتمر في جميع الوزارات والإدارات الحكومية، تسعى إلى انتهاجها هذه القوى، وهي محاولات لم يكن الرئيس هادي راضياً عنها، ولكن الطرفان أسهما في تأجيج الخلاف، فالمؤتمر ابتعد من الرئيس هادي، فيما سعت القوى الأخرى إلى خلق حلقة تحيط به، وأزاحوا بقية الأطراف والمكونات الأخرى، ولهذا فكل من كان يحيط بالرئيس هادي تعمدوا عزله”، الأمر الأثر بالضرورة على المرحلة الانتقالية.
هل كان الإصلاح يجهز الجنرال علي محسن الأحمر (يشغل حالياً منصب نائب الرئيس هادي وعرف بولائه الوثيق للإخوان) لخلافة هادي؟ “غير مستبعد فكل شيء وارد”، أجاب.
من المؤكد أنهم يهيئون شخصاً لخلافته، يجيب، “ربما كانوا يهيئون حاكماً عسكرياً أو شخصية سياسية مدنية تدين بالولاء التام”.

تحالف من يسحب مسدسه أولاً

في 2016 أي بعد قرابة العامين على انقلاب تحالف “الحوثي – صالح” على الشرعية في اليمن، أطلقت دول داعمة للشرعية تقودها الرياض حملة عسكرية لاستهداف القوات الانقلابية، إلا أن أطرافاً متعاطفة مع الرئيس الراحل تملك رواية أخرى أكثر ليناً، وتصف التحالف النقيضين في صنعاء بأنه كان نتيجة للحرب لا سبباً لها، إحداها التي يرويها عصام دويد الذي قال، “أجبر الزعيم على وضع يده بيد الحوثيين لغرض الحفاظ على ما تبقى من كيان الدولة وباقي المكتسبات الوطنية، وكان يظن أن هذا التحالف من الممكن أن يوصل لشراكة وطنية تمنع البلاد من الانهيار، وكان يراهن على الحل السياسي في جميع منعطفات المرحلة التي مرت بها البلاد”.
إلا أن تحالف الضدين لم يصمد طويلاً، لتبدأ الخلافات تدب بينهما ويضع كلاهما مسدسه على الآخر عله يكون أول من يسحبه في لحظة انفجار الخلاف، “المشكلات بينهما كانت كثيرة وتتم بشكل دائم، وكل أسبوع يختلقوا مشكلة، وكانوا يقصون قيادات الدولة التابعة للمؤتمر وكان الزعيم يقابله بالحكمة والصبر كعادته، ويهدئ الوضع لأنه ما يشتي (لا يريد) سفك دماء أكثر وانهيار البلد”.

ويتابع، “القوة ومقدرات الدولة أصبحت بأيديهم، وكانت مجاميعهم تسيطر على المعسكرات وظلوا يضغطون على قادة الألوية أن يخرجوا، لأنهم لن يقدروا على التعامل معهم، فاختاروا أن يغادروا إلى بيوتهم، بخاصة عقب مقتل اللواء علي الجائفي (عينه هادي عام 2012 قائداً لقوات الاحتياط وقتل في الصالة المغلقة 2016) ونحن لم يتبق معنا إلا الأسلحة الشخصية”.
كان كثيرون يتحدثون عن استغلال صالح وحزبه هذه المناسبة للانقضاض على شركائه، “كان الوضع سيئا للغاية، وأي إعلان سيكلف دماء كثيرة داخل العاصمة بناء على معلومات أمنية أكدت ذلك، وأيضاً حدثت مضايقات لأنصار المؤتمر من حضور الفعالية، ومنعت محافظات ومديريات بأكملها من الدخول لأن لديهم خوفاً شديداً”.
سألته مع من يتواصل صالح من قادة الحوثيين لحل هذه الخلافات، فأجاب، “مع صالح الصماد كونه شخصية مقبولة وقريب من الجميع، وكان أعقل الحوثيين، ولكنهم كانوا متربصين يريدون أن يستأثروا بكل شيء، ولهذا زادت المضايقات بشكل يومي، وازدادت قبيل وبعد احتفالية المؤتمر بذكرى تأسيس الحزب في 24 أغسطس (آب) 2017، التي توقعوا أن تشهد انتفاضة شعبية وعسكرية ضدهم”، أما عن تنقل صالح وتحركاته تلك الفترة فقال إنها “كانت تتم بطريقة اعتيادية لا تلفت النظر”.

2 ديسمبر… الخيانات أسقطت الزعيم

يواصل سرديته، “في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 قبيل مناسبة المولد النبوي التي أقاموها في ميدان السبعين بصنعاء، اقتحمت ميليشياتهم جامع الصالح وقتلت بعض حراسه واعتقلت آخرين، وحاصروا منزل العميد طارق محمد عبدالله صالح في الحي السياسي، تبعها محاولة اغتيال صلاح نجل الزعيم، وعلى إثرها قتل رئيس دائرة العلاقات الخارجية لحزب المؤتمر، خالد الرضي في تقاطع المصباحي”.
في ظهر يوم 2 ديسمبر (كانون الأول) دعا علي عبدالله صالح في خطاب متلفز اليمنيين “أن يهبوا للدفاع عن الثورة والجمهورية والوحدة والحرية ضد الحوثيين”.
كان خطاب صالح بمثابة ساعة الصفر لرجاله ومناصري حزبه، وتحركت وحدات مسلحة موالية له وسيطرت على أجزاء من العاصمة صنعاء، قبل أن تستعيد جماعة الحوثي زمام السيطرة.

يسرد دويد خفايا السقوط السريع لحراسة صالح ومناصريه عقب ساعات من سيطرتهم على بعض المواقع، “الكل يعلم أن الحوثي استولى على سلاح الدولة تماماً، وبعضه الآخر تم تدميره، وجاء خطاب الزعيم مفاجئاً لكثير من أعضاء وقيادات المؤتمر وحلفائه الذين لم يكونوا مستعدين بشكل كاف، وكانوا في مواقع دفاع فيما الحوثيون كانوا مستعدين للانقضاض على ما بقي من قيادات ثورة ديسمبر من خلال رصد أعدوه لوجود القوات وتحركاتها وأفرادها والمشايخ الموالين للمؤتمر، وحشدوا قبلها مجاميع كبيرة من مقاتليهم، وبلغتنا معلومات أنهم أدخلوا قرابة 7 آلاف مقاتل ومجموعة من دبابات T82”.
ومن سرعة الاستعدادات كان الحوثيون على ما يبدو يتوقعون انتفاضة ضدهم، وهو ما أكده دويد قائلاً “نعم، كانوا يومها في موقف صعب جداً، لأن الشعب بأكمله ضدهم ولكن الإمكانات بأيديهم”.
يشير دويد إلى “خيانات تعرض لها الزعيم من قيادات مختلفة، بينها من ينتمي لمنطقة سنحان وخيانة بعض الوساطة التي كان يرسلها الحوثي وسعيهم لتهدئة صالح عندما تكون القوة لمصلحتنا”.
وعن كيفية مغادرة جميع الموالين والمقربين من صالح والمشايخ الذين كانوا يحشدون كثيراً من المقاتلين للدفاع عن الرئيس السابق، يكشف هنا عما قام به “عبدالملك الحوثي شخصياً والكثير من القيادات الحوثية، بينهم أبو علي الحاكم (رئيس دائرة الاستخبارات العسكرية وأدرج اسمه في قائمة العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي في 7 نوفمبر 2014) الذي تولى مهمة الاتصال بعدد من مشايخ قبائل طوق صنعاء، ورغبهم ورهبهم في الوقت ذاته، وقال لهم “غريمنا علي صالح وابقوا في منازلكم ومن يخالف سنأتي إليه ونفجر منزله”. مضيفاً، “دفعت الميليشيات مبالغ طائلة بالمليارات للتخاذل عن مساندة الزعيم وقيادات المؤتمر”.

اللقاء الأخير

عن مكان وجوده ومن بقي في منزل صالح حينها، “هو وأسرته وقيادات مؤتمرية، والعميد طارق والمرافقين، أما أنا فكنت في موقعي الذي أشرف عليه من شارع الزبيري إلى شارع حدة، وأصبت إثرها بشظية في رجلي اليسرى”.
يسرد تفاصيل المعركة وآخر لقاء له مع الرئيس السابق، “ركز الحوثيون جل قوتهم على مربع منزل الزعيم، وكان آخر لقاء معه يوم الخميس تاريخ 3 ديسمبر (كانون الأول) بعد أن قمت بإسعاف بعض الجرحى قبل مقتله بيوم وكان مرهقاً جداً”، مضيفاً أنه عرض عليه نقل المعركة إلى سنحان حيث حاضنة صالح القبلية، لكنه رفض مغادرة منزله العاصمي.

وبحسب المعلومات التي حكت سقوط الرئيس يومها، فقد وجد علي عبدالله نفسه مكشوفاً في لحظة بعد أن انسحبت القوات المحيطة بالمنزل بمن فيهم ابن أخيه العميد طارق صالح، إلا أن عصام دويد يدافع عن موقفهم قائلاً، “منذ بدء المعركة بقي الزعيم أياماً بلا نوم وبلا أكل، يقول لمن حوله هم يشتوا (يريدون) رأسي أنتم اخرجوا سأقاتل حتى آخر طلقة، ولهذا انسحب أغلب المرافقين بطرق عدة”.
البعض يطرح أن اغتيال صالح تم داخل منزله، فيما الرواية الحوثية تقول إنه قتل عندما كان هارباً إلى سنحان، فيرد بحدة “الزعيم لم يكن هارباً وليس المهم الآن أين استشهد، هو رسم نهايته بشكل مشرف، وقاتل ببندقيته حتى آخر طلقة في صنعاء ومعه الشهيد عارف الزوكا الذي أعدم في المستشفى، وسنترك للتاريخ والأيام تفاصيل أخرى وأكثر”.
وحول تفاصيل المعركة الأخيرة يجيب عصام، “قاتل حتى آخر خمس طلقات بقيت في مسدسه قبل أن يموت، وكان يحمل كلاشنكوف ومعه عارف الزوكا الذي قاتل هو الآخر إلى جواره”.

“زامل” المغادرة

في سرده لقصة هربه يشير إلى أنه في مساء الإثنين 4 ديسمبر “أخرجت بعض الأهل والضباط بحلول المساء مستغلاً انشغال الميليشيات المتسارع بعمليات السلب والنهب من منازل مسؤولي المؤتمر وقيادات الثاني من ديسمبر، بما فيها منزل الزعيم والمواطنين أيضاً، واختبأت في أحد المنازل”.

يستطرد، “بعدها غادرت البيت إلى مكان آخر، وكانوا قد أذاعوا في قنواتهم أنهم قد قبضوا عليّ سادس يوم، فيما مكثت في البيت أياماً عدة قبل أن أغادر صنعاء فجر الـ 16 من ديسمبر بسيارة شغلت في مسجلها زوامل (فن غنائي شعبي) من تلك التي اعتاد الناس سماعها من الحوثيين حتى لا يشتبهوا بي، وتسللت إلى مأرب ومنها إلى سيئون التي وصلتها يوم 28 ديسمبر ثم إلى القاهرة”.

مرئيات عن صالح على هامش الحوار

يؤكد ضيفنا أن “عفّاش” كان يصحو باكراً يتفقد الحدائق التي تحيط قصوره، ويسأل عن أنواع الورد التي يوجد منها نحو 280 نوعاً، ويقوم بتشذيب بعض الأشجار بنفسه.
أما عن مواكبه من السيارات فكشف أنه كان معه أكثر من ثمانية مواكب من السيارات “نوعان من مرسيدس جيب ومرسيدس 45 والمرسيدس العادية، ونوعان من اللاند كروزر، ورنج روفر، وأودي بليد إن، جميعها مدرعة”.
وحول ما يتعلق بهوايات صالح قال، “كان يعجبه الهواء الطلق ورؤية المزارع ويعيش حياة عادية كبقية الناس ويفضل الأكل الشعبي، يستمتع برؤية الجمال والخيول، ومعه مزرعة في الرئاسة تنتج المشمش والخوخ والرمان ويعتني بها كثيراً”.
يكشف دويد عن جوانب في شخصية علي صالح، منها أنه كان يعرف تفاصيل كل منطقة يمنية وتأريخها وناسها وقبائلها، ويتمتع بذاكرة حديدية ويحفظ الأسماء جيداً، كما لا ينسى المواعيد مطلقاً، ويعجبه مهاجمة رفاقه ومداعبتهم والسؤال عن أصدقائه وزملائه القدماء”.
وعن علاقة صالح بـ “القات” كونه الرئيس الذي لم ينجز أي مهمة وطنية للحد من تعاطيه في أوساط اليمنيين، يوضح “كان يخزن القات بشكل يومي، وفي آخر 10 سنوات اكتفى بذلك يومي الخميس والجمعة فقط، أما أيام نزول الأمطار فيقضي جل يومه خارج صنعاء”.
وعن أقرب شخص إلى قلبه، فقد كان “الأمين العام للرئاسة عبدالله علي البشيري الذي لم يكن يستغني أبداً عن مشورته والجلوس الدائم معه”.