السبت , 24 فبراير 2024
الرئيسية » اخبار وتقارير » الرئيس الجنوبي علي ناصر محمد يكشف لأول مرة موقف الاتحاد السوفييتي من أحداث 13 يناير 1986م في عدن

الرئيس الجنوبي علي ناصر محمد يكشف لأول مرة موقف الاتحاد السوفييتي من أحداث 13 يناير 1986م في عدن

28/12/2023

 

إعداد/ د. الخضر عبدالله”

تطرق الرئيس علي ناصر محمد في العدد السابق إلى قصة صواريخ سكود ومنحة الـ (600) مليون روبل الروسية في عدن.. وفي هذا العدد يكشف الرئيس ناصر الدعم السوفييتي لصنعاء .. وهذا ما وضحه في حديثه:”بعد الانتهاء من اجتماع مجلس التعاضد عقدت في الكرملين يوم الثاني من تموز/يوليو محادثات مع رئيس الوزراء السوفياتي أليكسي كوسيغين، وتبادلنا الآراء في العلاقة بين البلدين، وأعربنا عن الارتياح لتطور التعاون فيما بين عدن وموسكو. كذلك تبادلنا الآراء في الوضع في شبه الجزيرة العربية، وعبّرنا عن القلق من استمرار محاولات القوى الإمبريالية لخلق بؤر التوتر في المنطقة. وأكدنا أهمية تنظيم علاقات حسن الجوار بين دولها على أساس مبادئ التكافؤ والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي طرف.

التقيت في موسكو أيضاً وزير الدفاع السوفياتي «ديمتري أوستينوف» حيث تبادلنا الآراء في الشؤون العسكرية بين البلدين.

وواصل حديثه:” كنا خارجين تواً من حرب شباط/فبراير 1979م بين عدن وصنعاء، وكانت الحرب ستؤدي إلى تدخل بلدان وقوى أخرى فيها، ووجدنا في عدن وصنعاء أنْ لا جدوى من استمرارها، حيث كابد البلدان خسائر فادحة نتيجة تلك الحرب، ولم يكن أحدنا في ظل الموازين الدولية والإقليمية القائمة قادراً على هزم الآخر. وهذه التصورات كانت تنسجم من حيث الأساس مع رأي الاتحاد السوفياتي أيضاً. وكان السوفيات على ما يبدو، قد اتخذوا قراراً بتسليح الجيش في الجمهورية العربية اليمنية بمزيد من الأسلحة المتطورة بعد التشاور معنا بشأن ذلك، بحيث لا يخلّ بالتوازن العسكري بين الدولتين، وكانوا يسلحون الجيش الوطني في الشمال منذ ثورة 26 أيلول/سبتمبر عام 1962م. سألني وزير الدفاع ديمتري أوستينوف شخصياً رأيي في هذه المسألة، وكان جوابي له: نوافق، نوافق تماماً.

لقي جوابي استغراباً مفاجئاً من أوستينوف، وتوجه إليّ بالسؤال والدهشة معاً، قائلاً:

ألا تعدّ هذا خطراً عليكم؟ وأنت رئيس الوزراء ووزير دفاع بلادك؟!

تبديل في الأصدقاء وتغيير المواقف

وشرح الرئيس ناصر في حديثه:”أعربت عن ارتياحي العميق لجوهر الفكرة والأهداف الجريئة والحاسمة لتسليح الاتحاد السوفياتي للجمهورية العربية اليمنية، رغم أننا كنا خارجين تواً من حرب معها. ذلك يعني أن الأميركان لن ينتقلوا إلى هناك ولن يباشروا الهجوم علينا انطلاقاً من صنعاء، وخصوصاً أنه كان يجري في تلك الفترة حديث عن تنويع مصادر السلاح الذي يجلب معه عادة ليس الخبراء العسكريين الغربيين فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تبديل في الأصدقاء وتغيير المواقف.

وبعد أن استمع أوستينوف إلى وجهة نظري قال لي:

أيها الرفيق، تدهشونني حقاً، وأنتم مصيبون من حيث المبدأ، وتراعون واقع علاقاتنا مع الغير.

كنت واثقاً من أن أحداً سواي كان سيتعرض للنقد، لكن لم تكن ثمة حاجة لدي لكي أعارض اقتناعي ومبادئي ورؤية الأمور كما يمليها الواقع. لم يكن ثمة سبب يدعوني لأن أرفض أو أعترض وأنا أعرف أن السوفيات لن يقدموا إليهم ذخائر لهذه الأسلحة لأكثر من أسبوع أو أسبوعين كما كانت الحال بالنسبة إلينا، وفي حالة الحرب بين النظامين فإن الذخائر السوفياتية ستنفد وسنعود إلى الحوار والمصالحة والوحدة كما حدث في أعوام 1972 و1979م، ففي كل الأحوال كانت صنعاء قادرة على الحصول على ما تريد من أسلحة من أي مصدر تريد سواء من السوفيات أو من الأميركان أو غيرهم. وقد علمت قبل ذلك من المسؤولين في صنعاء أن صنعاء وقعت في عام 1976م صفقتي سربي طائرات «ميغ 21»، وبعد وصولها إلى الحديدة أعيدت من حيث أتت في عهد الرئيس الحمدي كما حدثني بذلك الرئيس علي عبد الله صالح لاحقاً، وبعد ذلك أوفد الرئيس علي عبد الله صالح ضابطاً، هو علي المنصور، الذي ذهب إلى موسكو من طريق باريس ليوقع أكبر صفقة أسلحة بين الشمال والاتحاد السوفياتي تزيد قيمتها على 700 مليون روبل، وكان الروبل في ذلك الوقت أكثر قيمة نقدية من الدولار، وقد اعترضت أميركا والرياض على هذه الصفقة، ولم تعرف صنعاء أنني كنت من شجع التوقيع على هذه الصفقة كما أشرتُ آنفاً، ولا حاجة للمرء أن يكون منجّماً حتى يدرك ذلك بعد اللقاءات التي أجريناها مع القادة السوفيات وقادة مجلس التعاضد الاقتصادي في موسكو. وقد غادرت بعدها إلى جنوب الاتحاد السوفياتي للراحة والاستجمام، وكان معي أعضاء الوفد، عبد العزيز عبد الولي وعبد الله الأشطل وصالح مصلح قاسم.

كوسيغين والزيارة اليتيمة!

ويردف الرئيس ناصر قائلا:” في أيلول/سبتمبر عام 1979م زار عدن لأول وآخر مرة مسؤول سوفياتي كبير هو «أليكسي كوسيغين» رئيس مجلس الوزراء في الاتحاد السوفياتي… وسأروي الآن قصة هذه الزيارة، إذ كنت أنا وراءها.

كان كوسيغين يقوم بزيارة رسمية إثيوبيا، وكان خط سير الرحلة يحتّم على طائرته المرور فوق أجواء اليمن الديمقراطية وهو في طريق عودته إلى بلاده، كما كانت تحتّم عليه بعث برقية بروتوكولية كتحية وهو يمرّ فوق أجوائنا. لكنني استطعت تعديل الأمر من مرور فوق الأجواء إلى زيارة رسمية هي الأولى التي يقوم بها مسؤول سوفياتي على هذا المستوى الرفيع، والأخيرة أيضاً

بدأت القصة في يوم من أيام أيلول/سبتمبر 1979م حين جاء إليّ القائم بالأعمال السوفياتي في عدن «بنيامين بوبوف» ليبلغني بخبر مرور رئيس الوزراء كوسيغين فوق أجواء اليمن الديمقراطية في طريق العودة إلى موسكو بعد أن أنهى زيارة لأديس أبابا، وقد حمل معه «بوبوف» برقية التحية التقليدية التي تُعدّ مسبقاً وتُرسَل عادةً من الجو لدى مرور أي زعيم فوق أجواء دولة أخرى… أخذت منه البرقية، وقرأتها على عجل، ثم وضعتها على الطاولة، ونظرت إليه، وقلت له: أيها الرفيق، إلى متى ستظل اليمن الديمقراطية محطة عبور لكم؟!

قبل أن أتركه لدهشته أضفت: لقد ارتبطنا بعلاقات طيبة معكم منذ الاستقلال وحتى اليوم، ونحن لسنا ضد أن تكونوا أصدقاء لمنغستو أو لسياد بري من قبله. لقد زار رئيسكم بودجورني الصومال ومرّ بأجوائنا دون أن يزورنا. وهذه المرة يزور رئيس وزرائكم كوسيغين إثيوبيا، وأيضاً سيمرّ فوق أجوائنا دون أن يفكر في زيارتنا. فلماذا كل هذا التجاهل لليمن الديمقراطية؟ أنا لا أستطيع شخصياً أن أفهم أي معنى لذلك!

ثم تحدثت مع القائم بالأعمال بمزيد من التفاصيل سائلاً: هل ثمة حاجة إلى القول إننا جميعاً قد قمنا بزيارة موسكو ابتداء بأول رئيس للجمهورية قحطان الشعبي، إلى الرئيسين سالم ربيع علي وعبد الفتاح إسماعيل. وأنا شخصياً زرتها مرات عديدة دون أن يفكر أحد من قادتكم في رد الزيارة إلينا. فلماذا لا تقيمون وزناً للعلاقات والصداقة فيما بيننا وبينكم؟!

استولى الذهول على بوبوف وأصغى إلى هجومي وحججي القوية، ثم صمت بعض الوقت، وحين تكلم أخيراً أكد عمق الصداقة وعلاقات التعاون بين البلدين، وأشار إلى أن هذا قد تُوِّج بمعاهدة الصداقة والتعاون، ولكنه أخذ يسوّغ عدم زيارة القادة السوفيات لليمن الديمقراطية بالتزاماتهم وانشغالاتهم الجمّة التي لا تتيح لهم الفرصة للقيام بزيارات كثيرة.

أظهرت للقائم بالأعمال أنني غير مقتنع بكل تلك التسويغات، وأبديت له إصراري على زيارة كوسيغين عدن قبل عودته إلى موسكو.

من جانبه أخذ يعرض استحالة ذلك: كل شيء يخضع لقرار المكتب السياسي، ولكي يزور كوسيغين عدن لا بد له من الحصول على قرار من المكتب السياسي والكرملين. زيارة كهذه بحاجة إلى قرار، وأنا سأرفع الأمر إلى القيادة في موسكو.

كان لدي رفض قاطع لمقترحه، وأبلغته بكلمات واضحة ومحددة حتى لا يتسنى له الوقت لمزيد من الأعذار. قلت له: بلغ كوسيغين وموسكو برغبتنا في إتمام الزيارة قبل عودته إلى موسكو. وأردفت: عليك أن تتحرك لإبلاغهم بذلك فليس عندنا كثير من الوقت.

تصرفت على نحو صارم، وأعدت إليه البرقية التي جاء بها عندما حاول ذلك، ووقفت ومددت إليه يدي إيذاناً بانتهاء الزيارة، وقلت في نفسي: يا تصيب يا تخيب.

في اليوم التالي أبلغني القائم بالأعمال، وهو يكاد لا يصدق نفسه، بأن كوسيغين سيزور اليمن الديمقراطية غداً ظهراً. شكرته على جهوده ورحبت بزيارة رئيس وزراء الاتحاد السوفياتي لعدن، لأنها تعزز العلاقات بين البلدين والشعبين.

رامبو وكوسيغين

اتخذنا الترتيبات لاستقبال ضيفنا الكبير، وبعد الظهر وصلت الطائرة الخاصة التي تقل كوسيغين ووفده إلى مطار عدن.

كان الجو حاراً، والرطوبة في أعلى درجاتها في هذا الوقت من شهر أيلول/سبتمبر، ولا يكفي لوصف المناخ في عدن أن يقول عنه المرء بأنه حار جداً، وأكثر وطأة على الأجانب، خصوصاً إذا كانوا قادمين من المناطق الباردة.

عند باب الطائرة لفح طقس حارّ وجه كوسيغين وتبللت نظارته من الرطوبة ولم يتمكن من مشاهدتنا، فسلمها لأحد المرافقين ليمسحها، ويبدو أنه لم يتعرض لمثل هذا في حياته، ولكنه نظر يميناً ويساراً ولوّح بقبعته مبتسماً، ثم هبط السلالم القليلة، ووطئت قدماه أرض المطار، وتصافحنا بحرارة.

كان أول ما سألني عنه كوسيغين: كيف تعيشون في هذه البلاد؟!

وكان جوابي له: هذه بلادنا، ونحن نعيش فيها وفي مناخها الحارّ كما يعيش سكان سيبيريا في زمهريرها البارد.

ابتسم كوسيغين، وانتقلنا لتحية حرس الشرف، وللسلام على المستقبلين من كبار المسؤولين في الحزب والدولة ورجال السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي. وكنت قد سألته قبل ذلك إن كان يرغب في أن تُختَصر مراسم الاستقبال، حتى نجنبه التعرض للشمس وحرارة الجو، ولكنه وهو المدرك أن «المراسم هي المراسم» لم يُبدِ رغبة في اختصارها فأنجزناها، ثم انتقلنا إلى دار الضيافة في التواهي.

كان كوسيغين خلال الطريق، ونحن في السيارة، يتحدث عن مطار عدن الذي يبدأ بالبحر وينتهي في البحر دون تضاريس، وقال إنه مطار جميل وآمن، فلماذ لا يتم تطويره بنحو أفضل لاستقبال الطائرات المدنية الحديثة؟ واستفسر أيضاً عن الطقس والمياه والحياة. وقال لي: اسمع، لماذا لا تطلبون مساعدتنا لتشجير عدن وحفر الآبار فيها حتى تخفّ حدة هذا الطقس الحار؟!

هذا ما تعرض له خروتشوف
ويستدرك الرئيس ناصر ويقول :” تذكرت ما تعرض له خروتشوف عند زيارته لأسوان في أيار/مايو 1964م، فقال: شعرنا كأننا دخلنا فرناً مذيباً وأن أجسامنا التي تعودت مناخاً بارداً لا تتحمله إطلاقاً، والوقوف تحت الماء كان متعذراً، لأن الماء البارد لم يكن بارداً، بل إنه أقرب إلى الماء المغلي. وكان هذا الوضع لا يختلف عن وصف الماء في عدن وبحرها الذي كان حاراً وتصعب السباحة فيه. وقد تذكرت الضابط والكاتب البريطاني جاكوب الذي قال إن الصيف في عدن قطعة من جهنم تختفي في كهوفها. وتذكرت أيضاً «رامبو» الشاعر الفرنسي الذي قضى فترة من حياته في عدن في القرن التاسع عشر، وقد وصفها في رسائله لأمه «بأن هذه الأرض قطعة من جهنم لا ينبت فيها نبات ولا شجر!»، ولكنها بالنسبة إلينا تبدو قطعة من الجنة رغم كل قسوة الطبيعة فيها!

كان كوسيغين يتساءل وهو يرى بعض الأشجار خلال الطريق واقفةً تتحدى هذا الطقس المخيف: كيف تعيش الأشجار في مثل هذا المناخ؟! توقف أمام مدخل دار الضيافة قليلاً عندما رأى شجرة واقفة هناك، ونظر إليها وإلى الزهور الحمراء والبيضاء المحيطة بها والمتسلقة باب السور، وسأل: كيف تعيش من دون وجود للماء، والأمطار لا تهطل إلا نادراً؟ وقال: لا بد أنه يوجد ماء في الجبل! قلت له: لا يوجد ماء في الجبل، وإنما نأتي بالمياه من خارج عدن لنشرب، ولنسقي الأشجار لكي تعيش وتبقى!

يكمل الرئيس علي ناصر محمد حديثه ويقول :” دخلنا دار الضيافة. جلس كوسيغين، وقال: إن أمنيتي أن أسبح في خليج عدن، فهل تحقق لي هذه الرغبة؟!

أعربت عن سروري لتلبية أمنيته، وأكدت له أنه يستطيع أن يسبح في خليج عدن وقت يريد. لكن أطباء كوسيغين المرافقين له، والقائم بالأعمال السوفياتي في عدن، اعترضوا على ذلك، وأخافوه من السباحة في بحر عدن، بدعوى أن الكوليرا منتشرة في المنطقة، والسباحة في هذه الحالة خطرة على حياته. والواقع أنه لم تكن هناك كوليرا، بل إن أطباءه لم يملكوا الشجاعة الكافية لكي يقولوا له إن حالته الصحية السيئة لا تسمح له بالسباحة في هذا الطقس الحار والرطوبة الخانقة، وكانوا أكثر من ذلك يخشون أن يتعرض لمكروه، فيتحملوا هم مسؤولية ذلك أمام القيادة السوفياتية. استسلم كوسيغين لتعليماتهم، وسافر وفي نفسه حسرة، دون أن يسبح في «خليج عدن» كما كانت أمنيته.

أخبرني كوسيغين أنه لا يملك سوى وقت قليل للبقاء في عدن، وأنه لا يستطيع المكوث أكثر من (24) ساعة، ولهذا فإنه يقترح تكثيف برنامج الزيارة. وأعطى موافقته على أي برنامج أقترحه.

كان علينا في هذا الوقت القليل أن نخصص وقتاً للمباحثات، ولحفلة العشاء وللقيام بجولة حرة خاصة في المنطقة السياحية «الساحل الذهبي»، ولمراسم الوداع.

حديث النفط والذهب

ويضيف الرئيس ناصر :” تمحور الحديث مع رئيس مجلس الوزراء السوفياتي حول مشاريع التنمية واستخراج النفط والذهب. سأل الخبراء الروس: لماذا لا تستخرجون النفط؟ وسأل عن الفترة منذ أن بدأ التنقيب عن النفط، فقلت له: إن الاتفاق بين البلدين بدأ منذ عام 1973م، أي منذ لقائي بريجنيف عندما قال لي على الخريطة إن صحراءكم هذه تسبح على بحيرة من النفط. عندئذ بدأت فكرة التنقيب واستخراج النفط من قبل السوفيات، وبدأت الاتصالات والمباحثات وعقدت الاتفاقيات بهذا الخصوص.

التفت كوسيغين إلى رئيس لجنة العلاقات الاقتصادية الخارجية الذي كان يرافقه، وأخذ يشتم باللغة الروسية بكلمات فهمت بعدها من بعض أعضاء وفدنا الذين يجيدون الروسية أنها كانت شتائم من العيار الثقيل، لأن المترجم بالطبع لم يشأ نقلها إليّ. وكان كوسيغين يستجوب الوزير، وهذا الأخير يردّ على أسئلة رئيس الوزراء وهو واقف يتصبب عرقاً. طلب كوسيغين من الوزير ومن المستشار الاقتصادي في السفارة مضاعفة الجهود لاستخراج النفط في أسرع وقت ممكن، وعلّق بأن مشاكل اليمن الديمقراطية لن تُحلّ إلا باستخراج النفط، وأصدر إليهما أوامره بإنجاز المحطة الكهروحرارية في عدن، وإتمام مشاريع الزراعة والسدود وغيرها من المشاريع السوفياتية التي كان العمل فيها يسير ببطء شديد.

وسام ثورة 14 أكتوبر

وواصل حديثه وقال:” أقمت حفلة عشاء على شرفه وقلدته وسام الثورة 14 تشرين الأول/أكتوبر، قائلاً: «إنه يتم منح هذا الوسام تعبيراً واعترافاً بالدور الشخصي لألكسي كوسيغين في تطوير العلاقة بين البلدين والشعبين اليمني والسوفياتي».

عاد كوسيغين إلى بلاده، بعد أن شاهد قسوة الطبيعة عندنا وما تفرضه من قسوة وصرامة على الحياة، ولكنه أصبح أكثر حماسة لليمن الديمقراطية ولدعمها.

كان لقائي التالي بكوسيغين في موسكو في أيار/مايو عام 1980، وتحدثنا عن زيارته لعدن في العام الماضي وكيف منعه أطباؤه من السباحة كما كان يتمنى، وقلت له: نأمل أن تزورنا مرة أخرى لكي تحقق أمنيتك وتسبح في خليج عدن. وهذه المرة أجاب بنفسه وقد أدرك استحالة ذلك:

يبدو أن صحتي ستحول دون تحقيق أمنيتي وقد لا يطول بي العمر!

ويتابع حديثه ويقول :” في 31 كانون الأول/ديسمبر 1979م بمناسبة بلوغي سن الأربعين، منحني الاتحاد السوفياتي «وسام الصداقة بين الشعوب»، وجاء في مرسوم هيئة رئاسة مجلس السوفيات الأعلى أنه مُنح لي تقديراً لجهودي المبذولة من أجل قضية التحرير الوطني والسلام والتقدم الاجتماعي والمساهمة الكبيرة في توطيد الصداقة والتعاون بين شعبي اليمن الديمقراطية والاتحاد السوفياتي… لكنني لم أتمكن من السفر إلى موسكو إلا في 27 أيار/مايو عام 1980م في الأيام التي أعقبت توليَّ مقاليد السلطات الأولى في البلاد (الأمانة العامة ورئاسة الدولة)، حيث قمت بزيارة رسمية وودية للاتحاد السوفياتي، متوجهاً إليه من دمشق. وعقب جلسات المباحثات الرسمية في الكرملين مع بريجنيف ووفدي البلدين، أقيم حفل عشاء على شرفي قام الرئيس السوفياتي خلاله بتقليدي الوسام. وحين اختتمنا المباحثات الرسمية، اختتمناها بالتوقيع على وثائق اتفاقيات جديدة في المجالين الفني والاقتصادي.

عبق الدخان

وقال الرئيس علي ناصر في حديثه :” كانت الزيارة واللقاءات مهمة جداً، وأسهمت في ترسيخ علاقات البلدين الصديقين، وتنظيم تطورها اللاحق.

شارفت الزيارة على الانتهاء، ورافقني بريجنيف حتى المطار ليودعني، وما لبث أن سألني ونحن في سيارته: هل تدخن؟ قلت مجيباً: توقّفت عن التدخين منذ عام.

هل كنت تدخن كثيراً؟ قلت: نعم، 60 سيجارة.

في الشهر؟

لا، في اليوم .

ضحك بريجنيف وسألني: هل يدخن مرافقك العسكري؟

أجبته: كلا، لا يدخن.

صمت برهة وكأنه كان يفكر في أمر ما، ولاحظت أن بريجنيف معتكر المزاج بوضوح أو أنه ليس على ما يرام. وبعد برهة الصمت قال: ألا يضايقك أن يدخن مرافقي الشخصي؟

قلت وقد أدركت غرضه: لا، لا أمانع.

دخّن المرافق الذي كان في السيارة يسمع حوارنا، بأمر من رئيسه. وعندما عبقت رائحة الدخان أخذ بريجنيف يستنشقه بانتشاء، فأدركت رغبة بريجنيف الملحّة في شمّ رائحة الدخان بعد أن منعه أطباؤه والمكتب السياسي من التدخين حفاظاً على صحته التي كانت تتدهور. بعد أن شمّ الزعيم السوفياتي المريض رائحة السجائر، قال، متوجهاً بحديثه إليّ:

نحن الآن ننشئ محطة لتحلية مياه البحر عندكم في عدن!

قلت له: نعم. إنه جزء من مشروع المحطة الكهروحرارية.

قال:إن عملية تحلية مياه البحر صعبة ومعقدة!

قلت:جائز، فأنا لست فنياً.

قال مسترسلاً: ولكن الأصعب منها، التحام السفن في الفضاء.

علّقت هذه المرة: بالتأكيد!

صمت بريجنيف، ثم سأل بابتسامة لا تكاد تلحظ:

لماذا لا تعطينا العناصر الانقسامية عندكم في المكتب السياسي، لنرسلهم في سفينة فضاء، وقبل أن تلتئم نقذف بهم في الفضاء الشاسع، وبذلك تتخلص منهم اليمن والمنطقة، وترتاح أنت ويرتاح الحزب والشعب منهم؟!

وضحك بريجنيف. ثم سأل: ألست موافقاً على هذا، أيها الرفيق؟

كانت السيارة تقترب من المطار، وقلت له: إن مثل هذه المشاكل سنحلها عبر الحوار، وإن القضية الأساسية لنا الآن تعزيز الجبهة الداخلية. وأعربت له عن الشكر على اهتمامه بنا وباليمن، وودعته وودعني عند سلم الطائرة قائلاً: لن أقول لك وداعاً، ولكن سأقول لك إلى اللقاء.

مؤتمر 26 للحزب الشيوعي السوفياتي

ويقول مستدركا:”في 23 شباط/فبراير عام 1981م كنت في موسكو أستمع إلى «مبادرة بريجنيف حول الشرق الأوسط التي أعلنها في اليوم الأول لبدء المؤتمر الـ (26) للحزب الشيوعي السوفياتي. وقد ألقيت خطاباً عرضت فيه أهمية انعقاد المؤتمر في الظروف الراهنة ودور الاتحاد السوفياتي في الانفراج الدولي ونزع السلاح. وتطرقت إلى الأوضاع الخطرة في المنطقة العربية، ونشاط الأساطيل الأجنبية في البحار المحيطة وزرع القواعد العسكرية في بعض البلدان الاستراتيجية القريبة منها، وتنظيم المناورات الاستفزازية ضد اليمن الديمقراطية وإثيوبيا وغيرهما.

حين التقيت بريجنيف يوم الثالث من آذار/مارس 1981م أشدت بمبادرته لتسوية عادلة وشاملة لأزمة الشرق الأوسط وتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي، واعتبرت أن من شأن تحقيق هذه المقترحات خفض حدة التوتر والوضع المتفجر في هذه المنطقة.

على هامش أعمال المؤتمر التقيت الرؤساء تيودور جيفكوف، ونيقولاي تشاوشيسكو ، وفيديل كاسترو، وإيريش هونيكر ، وجوستاف هوساك، وعدداً من الأمناء العامين للأحزاب الشيوعية العربية: خالد بكداش (الشيوعي السوري)، فائق وراد (الشيوعي الأردني)، علي يعتة (حزب التقدم الاشتراكي المغربي)، والتقيت أيضاً عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي في سورية، وخالد محيي الدين رئيس التجمع الوحدوي القومي المصري، وفاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، و«أبو ماهر» (من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) وبحثت معهم كل على حدة العلاقات الثنائية بين اليمن الديمقراطية وأحزابهم والوضع في الخليج والمحيط الهندي، وقضايانا وهمومنا المشتركة.

وداعاً بريجنيف

ويضيف الرئيس ناصر في حديثه :” التقيت ليونيد بريجنيف مرة أخرى وأخيرة في منتصف أيلول/سبتمبر عام 1982 قبل وفاته بنحو شهر واحد فقط، حيث كنت أقوم بزيارة رسمية وودية للاتحاد السوفياتي بدعوة من اللجنة المركزية ومجلس السوفيات الأعلى. وفي 15 أيلول/سبتمبر قمت بتقليد ليونيد بريجنيف وسام الثورة 14 تشرين الأول/أكتوبر أعلى وسام في جمهورية اليمن الديمقراطية. وأكدت أن ذلك اعتراف بالدور الذي أدّاه شخصياً من أجل تطوير الصداقة اليمنية- السوفياتية وتقويتها، ودعم نضال شعبنا من أجل الحياة الجديدة وتحقيق أهداف الثورة، وكذلك نضال الشعوب العربية ضد الإمبريالية والصهيونية.

وكانت آخر كلماته التي سمعتها: «أتوجه بالشكر إلى قيادة اليمن الديمقراطية وإليكم أيها الرفيق علي ناصر محمد لهذا الوسام الرفيع وللكلمات الطيبة التي قيلت عني. وأعتبرها اعترافاً بخدمات بلدنا وحزبنا الحزب الشيوعي السوفياتي اللذين عملا كل ما في وسعهما من أجل دعم شعب اليمن الديمقراطية الصديق. وإنه لمن دواعي سرورنا، نحن الشيوعيين السوفيات السائرين على طريق أفكار لينين وإنجازات تشرين الأول/أكتوبر العظيم أن نتسلم هذا الوسام الذي يُعَدّ رمزاً للنضال الخالد للشعوب من أجل التغيير الثوري للعالم».

بعد أقلّ من شهر على هذه الكلمات أُعلن في موسكو وفاة ليونيد بريجنيف في صباح 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1982م. أعلنّا في اليمن الديمقراطية الحداد الرسمي عليه. ووصلت إلى موسكو في طائرة واحدة مع رئيس الجمهورية العربية اليمنية العقيد علي عبد الله صالح للمشاركة في تشييع جثمان بريجنيف. وكانت هذه المرة الثانية التي نسافر معاً على متن طائرة واحدة. كان للموت حضوره الكبير في موسكو، وفي الساحة الحمراء سارت جموع المشيّعين من القادة السوفيات ورؤساء الدول القادمين من كل العالم، حتى جدار الخالدين في سور الكرملين الأحمر حيث يوضع رماد جثته، وتوضع عليها لوحة تحمل اسمه وتاريخ ميلاده ووفاته كغيره من الزعماء. انتهت أيام بريجنيف وصعد نجم جديد في سماء الكرملين اسمه يوري أندروبوف.

بعد التعزية بالزعيم الراحل وتهنئة الزعيم السوفياتي الجديد، كان لدي الوقت لإجراء عدة لقاءات مع بعض رؤساء الدول الذين شاركوا في مراسم التشييع.

الموت يخيّم على الكرملين

ويستدرك الرئيس ناصر ويقول :”مع تعدد زياراتي للاتحاد السوفياتي، على مدى خمسة عشر عاماً تقريباً، انطبعت في ذاكرتي بقوة زيارتي لموسكو في أيلول/سبتمبر عام 1983واللحظة التي اجتمعت فيها بالزعيم السوفياتي يوري أندروبوف في «الِقرِمْ» على ساحل البحر الأسود حيث كان يستجمّ. الواقع أنه كان يعيش أيامه الأخيرة واحتضاره بعيداً عن الكرملين. أتاحت لي هذه الزيارة أن أشاهد القاعة التي جرى فيها التوقيع على اتفاقية يالطا في 4 شباط/فبراير 1945م من قبل الرؤساء ستالين وروزفيلت وتشرشل حيث اتفقوا على تقسيم ألمانيا إلى أربع مناطق وإرغام ألمانيا على تسليم الاتحاد السوفياتي معدات ومصادرة ثروات أخرى لتعويض الخسائر السوفياتية ، ومحاكمة أعضاء الحزب النازي وتقديمهم كمجرمي حرب، وإنشاء منظمّة عالمية لصون السلم العالمي، وهي التي أصبحت فيما بعد الأمم المتحدة، وإعادة إرساء النظام في أوروبا ومساعدة الدول المنهزمة لتكوين حكومات ديمقراطية، وتأييد الحكومة السوفياتية وإجراء انتخابات حرة في بولندا، وبسط حدود الاتحاد السوفياتي إلى حدود بولندا.

وقد علمت من أحد المرافقين أن رئيس وزراء بريطانيا تشرشل طلب من الحضور في القاعة أن لا يقفوا عند دخول ستالين بسبب تأخره بعض الوقت وعندما دخل ستالين بهامته وهيبته ونياشينه كان تشرشل أول الواقفين دون أن يشعر وقام الآخرون كذلك تقديراً لدوره في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية عام 1945م ، كما حدثني المرافق أن الفيلا التي نزلتُ فيها في يالطا كانت مقراً وسكناً للزعيم السوفياتي ستالين أثناء توقيع المعاهدة.

كذلك زرت قاعة الاجتماعات حيث جرى توقيع الاتفاقية في قصر لفاديا الذي نزل فيه الرئيس الأميركي روزفلت.

في فيلا ستالين

ويشرح الرئيس ناصر في حديثه ويقول:” كان يتحدث عن ستالين باحترام كبير رغم كل الإساءات التي تعرض لها من قبل الزعيم السوفياتي خروتشوف وغيره من زعماء الكرملين. كذلك تحدث باحترام كبير عن الزعيم الجديد أندروبوف، ونحن نستعد للقاء معه، وعدّد مواقفه وبعض إنجازاته التي تحققت في الفترة القصيرة من قيادته للاتحاد السوفياتي، ووصفه بأنه قائد التغيير والتحولات القادمة في الاتحاد السوفياتي.

وجد أندروبوف نفسه في وضع يوجب عليه أن يعيد بناء الاتحاد السوفياتي بعد سنوات الركود التي عاشها في آخر أيام حكم بريجنيف. قيل إن أندروبوف الذي كان من موقعه رئيساً لجهاز المخابرات (الكي جي بي) يرصد الأخطاء والسلبيات، كان لديه ملفات للأولويات التي سينطلق منها لإصلاح النظام السوفياتي، لكن عندما وصل إلى الحكم كان هو الآخر مريضاً، حتى إن الشائعات كانت تتردد عن مرضه في كامل الاتحاد السوفياتي، من قائل إن اليهود دسوا له السم، إلى قائل إن ابنة بريجنيف أطلقت عليه النار بعد أن فتح ملفات الفساد في عهد أبيها. المهم أن أندروبوف كان مريضاً، ولكنه أيضاً لم يكن أي زعيم سوفياتي آخر، لقد كان طرازاً من القادة المختلفين والمعاصرين. كان أندروبوف قبل أن يستقر في الكرملين، قد طاف العالم كله، بل إن منصبه رئيساً للمخابرات السوفياتية كان يضع العالم على طاولته كل صباح أو كل دقيقة. قبل ذلك كان سفيراً في بودابست عام 1956م وقت اجتاحتها القوات السوفياتية، لهذا كان يعرف ماذا يجري في العالم، وتحديداً في الغرب المتقدم، وبالتالي يعرف كل ما ينقص الاتحاد السوفياتي ويتمنى تحقيقه في بلاده.

عقدتُ مع يوري أندروبوف اجتماعاً مغلقاً استغرق أربع ساعات كاملة في الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر 1983م، تحدثتُ فيه بصراحة عن علاقات اليمن الديمقراطية بالاتحاد السوفياتي، وأبديت بعض الملاحظات على بعض الجوانب التي كنت أراها سلبية في السياسة السوفياتية في منطقة الشرق الأوسط، وبرغم شدة مرضه استمع إليّ أندروبوف، بل أصغى إليّ بكامل حضوره وجوارحه، وأخذ يستوضح بقلق عن بعض الأمور والأشياء التي وردت في عرضي السياسي الشامل.

استخراج نفط شبوة

ويتابع الرئيس ناصر ويقول:” من حديثي اقتنع أندروبوف بأن على الاتحاد السوفياتي أن يتحرك لمساعدة اليمن الديمقراطية والعرب أكثر من السابق. وأصدر تعليماته الفورية لتنفيذ كل ما اتفقنا عليه خلال هذا اللقاء بأسرع وقت ممكن. وفعلاً، لأول مرة في العلاقات اليمنية السوفياتية كان يُنفَّذ ما اتفقنا عليه في الوقت والسرعة المطلوبين.

أدرك أندروبوف بسرعة جوهر الوضع الناشئ في منطقة الشرق الأوسط، وسعى إلى مساعدة العرب في نضالهم من أجل استعادة أراضيهم المحتلة، وفي حصر الخطر الداهم من إسرائيل ونيتها الاستيلاء على مزيد من الأراضي العربية. وأعتقد أن سورية تلقت في عهده القصير جداً مساعدات عسكرية في غاية الأهمية بغية تحقيق التوازن العسكري الاستراتيجي مع العدو الإسرائيلي (وهذا ما أكده لي الرئيس حافظ الأسد).

أعرب يوري أندروبوف عن ارتياحه لحديثي الصريح، وقال إنه يشاطرني الكثير من آرائي وخصوصاً ما يتعلق بالسياسة السوفياتية في الشرق الأوسط. ما جعل العرب في الموقع الأضعف بعد اتفاق كامب ديفد مع مصر.

انتهى اللقاء، وحانت لحظة الوداع الأخيرة. منذ ذلك الوقت أدركت أنه الوداع الأخير فعلاً، إلا إذا حدثت معجزة! نهض يوري أندروبوف، من مقعده بقصد توديعي، لكنه قبل أن يقف تماماً انهار وسقط على مقعده.

وجدت نفسي في وضع حرج، فلم يكن بوسعي مغادرة الغرفة وترك الرجل على حالته تلك. وزاد الأمر سوءاً أن معاوني أندروبوف أنفسهم كانوا في حالة ذهول تامّ، فلم يعرفوا كيف يتعاملون مع الموقف، وأخذوا يحملقون في زعيمهم الملقى على الكرسي مثلي في ذهول وقلق دون أن يهرعوا لتقديم الإسعاف له أو استدعاء أطبائه من الغرفة المجاورة حيث كانوا يقبعون ولا شك!

من حسن حظ الرئيس أندروبوف أنه استعاد نشاطه بعد قليل وواجه الموقف بنفسه. وعندما رآني لا أزال واقفاً ابتسم ابتسامة لا تكاد تلحظ، ونهض متحاملاً على نفسه ثم اندفع نحوي واحتضنني بقوة وحرارة مودعاً. وكنت زائره الرسمي الأخير قبل الموت.

في التاسع من شباط/فبراير عام 1984م مات يوري أندروبوف. أعترف بأنني وأنا أسير في جنازته شعرت بفقد صديق عزيز لم تمضِ على العلاقة به فترة كافية. لكنه خلال هذا الزمن القليل نقل صداقة بلدينا إلى موقع جديد، بما في ذلك استخراج النفط في شبوة.

الموقف السوفياتي قبيل أحداث 13يناير 1986م

ويقول:”قدمت التهنئة إلى زعيم الكرملين الجديد قسطنطين تشيرنينكو بعد تسلمه رئاسة الدولة والحزب في 2 تشرين الأول/أكتوبر عام 1984م، ومنذ اللحظة الأولى التي رأيته فيها أدركت أنه رجل مريض وأن أيامه معدودة في الكرملين وفي الحياة. من هنا تولّد لدي إحساس بأنه رئيس عابر ليست لديه سوى أيام «موقتة» في القيادة السوفياتية ريثما يحسم الصراع داخل أروقة «المكتب السياسي» العتيد، ليتحدد زعيم الكرملين المقبل.

وبالفعل، طلعت البرافدا (بافتتاحية) على غير العادة قبل وفاة تشيرنينكو بأيام قليلة جداً، تبشّر فيها بأن مسألة «الخلافة» في الاتحاد السوفياتي قد حُسمت لأول مرة وإلى الأبد. وكان ميخائيل غورباتشوف هو ذلك الخليفة، وقد أدى اليمين الدستورية بسرعة غير معهودة وتولى مهمات منصبه الجديد زعيماً غير منازع للكرملين، وبدأ بعدها مرحلة انقلابه الدراماتيكي الذي أدى إلى سقوطه وسقوط النظام الشيوعي بأكمله.

الصعود والسقوط!

واضاف ناصر في حديثه :” توارى قسطنطين تشيرنينكو من الحياة، وصعد إلى سدة الحكم والمسرح السياسي نجم جديد، شاب، يختلف عن كل الزعماء الذين قبله. إنه ليس من جيل ثورة تشرين الأول/أكتوبر الاشتراكية العظمى، ولا من جيل الحرب العالمية الثانية، بل يجد نفسه في حلٍّ منهما، إذ إنه لم يشارك في خوض الكفاح المضني من أجل تأسيس الاتحاد السوفياتي، ولا في تثبيت دعائمه، زعيم اختار التلفزيون والإعلام مسرحاً يمارس من خلالهما أعماله لتحقيق أفكاره الجديدة التي سمّاها «البيروسترويكا» و«الجلاسونست» ومعناهما إعادة البناء والشفافية أو العلانية.

ومضى يقول ” تسلّم الرئيس غورباتشوف قيادة الكرملين، وقدمنا إليه التهاني والتبريكات كغيرنا من الوفود المشاركة، وكانت هذه المرة الأولى التي لا أشاهد فيها رئيساً سوفياتياً يتحدث من أوراق مكتوبة. كان أمامه ملف لم يفتحه إلا مرة واحدة وأغلقه بيده اليمنى، وقال بعد كلمات الترحيب والمجاملة: تفضل أيها الرفيق « مُخمّد». كان الوقت محدوداً وطابور المهنئين طويلاً قبلي وبعدي من كل أنحاء العالم جاؤوا لمقابلة الرئيس الجديد غورباتشوف الذي جاء بعد وفاة ثلاثة رؤساء: بريجنيف وأندروبوف وتشيرنينكو خلال وقت قصير، رحلوا خلال سنتين، وكان علينا أن نغادر بلداننا بعد سماع نبأ وفاة هؤلاء الزعماء، كانت حقائب المعزين جاهزة، والطائرات كذلك، وكان الناس يتندّرون بعد وفاة الزعماء، وقبلهم وبعدهم مات عدد من أعضاء المكتب السياسي الكبار، وفي مقدمتهم المنظِّر والمفكِّر سوسلوف ورئيس الوزراء كوسيغين وآخرون.

حاول غورباتشوف المبهور بزياراته لبريطانيا ولبعض الدول الغربية أن يحمل معه إرادة التغيير، وينفض عن الاتحاد السوفياتي حالة الخمول والجمود والبيروقراطية والعهد الرصاصي، كما كان يسميه فلاسفة الحزب عندما يموت كل زعيم، وأن يدخل إصلاحات واسعة تحت شعار البيروسترويكا والجلاسنوست، ووعد بأنه سيسير فيها مهما كلفه من جهد وضنىً وعناء، وأنه لن يكرر ما جرى مع الرئيس الفلاح الساخر خروتشوف الذي بدأ إصلاحاته فانتكست على رأسه وهو يسبح في البحر الأسود حيث كان يقضي إجازته السنوية الإجبارية، ودفع ثمنها بالعزل ومغادرة المسرح بل الموت، ولم يشارك في جنازته أي مسؤول سوفياتي أو أجنبي. توعد غورباتشوف بأنه لن يسمح للتيار المحافظ بأن يعرقل هذه الإصلاحات وأنه تسلَّم أكثر من 100 ألف رسالة تطالبه بالاستمرار في الإصلاحات لبناء دولة حديثة جبارة على هذه القارة الأوروبية التي عدّها بيت الأوروبيين جميعاً، وأنهم يجب أن يتعايشوا فيها ويحافظوا عليها أيضاً.

لم يدرك أن أوروبا التي شبّهها بالسفينة لا يمكن أن تتعايش فيها نظريتان متصارعتان، فهي ليست سفينة نوح التي حملت من كل زوجين اثنين، وإن كان صوت الحرب الباردة خفت فيها، ولكنها لا تقبل التعايش، فالسفينة ستغرق عندما تبحر بربانين ولا تتحمل أكثر من ربان في وسط هذه العواصف والأمواج الهوجاء التي لن تتوقف حتى وإن هدأت بعض الوقت حسب مواسم المدّ والجزر والصيف والشتاء والرياح، ونسي أنه قد حان وقت تصفية الحساب بعد أن تآكل النظام الاشتراكي.

ألمانيا مقسَّمة ثلاثة أقسام: الشرقية والغربية وبرلين، وذلك بفعل القوى العظمى، وكنت أشاهد تقسيماتها على جبهة محدثي غورباتشوف الذي كانت تبدو عليها خطوط مختلفة زرقاء وخضراء شبّهها البعض بالأرَضة التي نخرت فكره ونخرت معها الاتحاد السوفياتي، وإذا كان غير قادر على وحدة ألمانيا، فكيف يمكن أن تتحد أوروبا وفقاً لفلسفته.

كان يتدفق نشاطاً وحيوية وهو يتحدث معي، بينما كان الباب يفتح ويغلق بإشارات فهمت منها أن الجلسة ستطول، ولو على حساب الذين يقفون خلف الباب في إحدى صالات مقرّ الحزب الواسعة. أشاد بسياسة اليمن الداخلية والخارجية والانفتاح الذي نمارسه، وطالب بالاستمرار في هذه السياسة، وخصوصاً مع جيران اليمن الديمقراطية في اليمن والخليج لكي ننصرف للبناء الداخلي وتحسين معيشة الكادحين كما قال، وألقى نظرة أخيرة على الملف وأغلقه، وشعرت بأنه يريد إنهاء المقابلة، التفت إليَّ وإلى ساعته وقال: «لن نقول وداعاً، بل إلى اللقاء»، وما إن أنهى هذه الكلمات حتى فتح الباب أوتوماتيكياً على صوت غورباتشوف حيث تعانقنا وتصافحنا وانصرفت.

خرجت بعدها بانطباع بأنه أتى في وقته وأنه سيقود بلاد السوفيات نحو تغييرات دراماتيكية بعد أن هرم الحزب وقيادته وبلاد السوفيات بسبب استمرار القيادات المسنة عشرات السنين باسم استقرار الكادر، ولم يكن ذلك في موسكو وحدها، بل في عدد من البلدان الاشتراكية. فقيادات هذه البلدان مثل الزعيم الكوري كيم إيل سونغ والزعيم الصيني ماوتسي تونغ والمارشال اليوغسلافي تيتو والرئيس البلغاري تيودور جيفكوف والجنرال التشيكوسلوفاكي سفبودا والرئيس التشيكي هوساك والرئيس الألماني إريك هونيكر والرئيس الروماني تشاوشيسكو، تسلموا قيادات هذه البلدان وحكموها حتى ماتوا، ولم تنجُ بعض الأحزاب الشيوعية العربية من مثل هذه الزعامات الحزبية التي استمرت عهوداً طويلة كنقولا شاوي (الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني) وخالد بكداش (الأمين العام للحزب الشيوعي السوري)، وينطبق ذلك أيضاً على بعض الزعامات العربية والعالمية من رؤساء الدول والأحزاب.

لم يستطع أن يحقق ما كان يبشِّر به من تغيير، ولم يتمكن من إشباع أهم احتياجات المجتمع السوفياتي التي بها وحدها يمكن تحقيق فكرته الأساسية. كل ما قدر عليه غورباتشوف، تقديم المزيد من المبتكرات اللفظية الخلابة التي أسهمت في تدمير الاتحاد السوفياتي، وبدا في النهاية متعباً وفي حاجة إلى راحة وذهب إلى جنوب الاتحاد السوفياتي تاركاً الساحة ليلعب فيها صديقه وخصمه اللدود في آن واحد بوريس يلتسن، ليهدم، أو يواصل من بعده هدم المعبد المقدس وتفكيكه إلى أحجار ودول وأشباه دول تتصارع فيها القوميات العرقية والإثنية، لتغيب عن الخريطة السياسية للعالم دولة عظمى مثل الاتحاد السوفياتي.

كانت هذه أول وآخر مقابلة لي معه وهو رئيس للبلاد، غير أني قابلته بعد ذلك في دبي عام 1994م، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية وأصدقاء الاتحاد السوفياتي في أديس أبابا وعدن وكابول وغيرها من البلدان، وقد تحول ويا للمفارقة إلى محاضر يتكسّب من محاضراته، حيث كان يتنقل هو وسكرتيره كارين بوتنتس بين هذه البلدان المحافظة وحائط المبكى في إسرائيل، وبعض بلدان العالم التي يظهر فيها أحياناً وهو يقوم بدعاية للبيتزا والهمبرغر. كانت هذه نهايته، فلم يقبله الشعب الروسي في انتخابات الرئاسة، ومنحه الشعب 1% فقط من الأصوات، ولكمه أحد عمال سيبيريا على وجهه لينهي بذلك حياته السياسية إلى الأبد.

رسالة غورباتشوف

وتابع ناصر حديثه قائلا:” بعث الزعيم السوفياتي غورباتشوف قبيل عقد المؤتمر العام «الثالث» للحزب الاشتراكي اليمني في 28 أيلول/سبتمبر عام 1985 رسالة عبّر فيها صراحة وبلا تحفظ عن دعم القيادة السوفياتية لقيادتنا، ومن أجل إنجاح أعمال المؤتمر العام الثالث لحزبنا. وقال غورباتشوف في معرض رسالته: «إننا نشيد بالإنجازات العظيمة لليمن الديمقراطية تحت قيادة الحزب الاشتراكي اليمني برئاسة الرفيق علي ناصر محمد الابن البار للشعب اليمني». بعد تسلمي الرسالة عقد السفير السوفياتي في عدن فلاديسلاف جوكوف مؤتمراً صحافياً قال فيه:«إنه بتكليف من ميخائيل غورباتشوف السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي قمت بتسليم الرئيس علي ناصر محمد رسالة خطية، تتضمن تمنيات ميخائيل غورباتشوف إلى الرفيق علي ناصر محمد شخصياً وإلى الحزب الاشتراكي اليمني ولجنته المركزية ومكتبها السياسي بنجاح المؤتمر العام الثالث والعمل الخلّاق لتنفيذ قرارات المؤتمر من أجل مواصلة تطوير جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على طريق التقدم والديمقراطية، طريق بناء المجتمع الجديد».

المصالح دائمة!

ويستدرك ناصر في حديثه ويقول:” كانت تلك رسالة واضحة وصريحة في مضمونها، وتعبِّر تعبيراً تاماً عن الموقف السوفياتي قبيل أحداث 13 كانون الثاني/يناير 1986م. فقد أعاد التلفزيون السوفياتي بثّ البيان الذي أذيع من إذاعة عدن في اليوم الأول للأحداث، مقترناً بتعليق أكثر حماسة من البيان نفسه قرأه سيف الملوكوف وعلّق عليه، وهو واحد من أشهر المعلقين في التلفزيون السوفياتي. غير أن هذا الموقف لم يحافظ على ديمومته، كما أوضحت من قبل، إذ إن تطور الأحداث قاد السوفيات إلى منحًى آخر تحت تأثير مصالحهم بينما كنا نتصرف ونتعامل في الغالب بطريقة مثالية مع الأصدقاء في دول المعسكر الاشتراكي، ونرى أن دعمهم للنظام في عدن واجب أممي عليهم، ونتوقع دائماً منهم أن يوازنوا بين مصالحهم ومبادئهم، ولكنهم ويا للأسف أثبتوا هم أيضاً أن المصالح تغلب المثل والمبادئ.

في العلاقات بين الدول تأتي المصالح أولاً وأخيراً، حتى ولو اتسع الوقت لبعض المجاملات وتبادل الأنخاب وقبلات التحية. وسأعرض في مكان آخر من المذكرات قصة النفط والمصفاة في اليمن الديمقراطية.

في ختام عَرض العلاقات اليمنية السوفياتية وما شابها من تجاذب وتنافر، ومن سلبيات وإيجابيات وما لتلك التجربة من أهمية على صعيد المنطقة كلها، أقول إننا أقمنا دولة قوية مهيبة في جزيرة العرب والبحر الأحمر والقرن الإفريقي والمحيط الهندي بمساعدة السوفيات التي كانت تربطنا بهم علاقات صداقة ومعاهدة، وقد اطلعت أخيراً على تقييم التجربة من وجهة نظر السيد بريماكوف وما سمّاه بالانحراف اليساري المدمر في عدن كما جاء في مذكراته مما سأتحدث عنه في فقرة لاحقة.

(للحديث بقية)