الأربعاء , 19 يونيو 2019
الرئيسية » الرئيسية » عيون مكحلة للرجال

عيون مكحلة للرجال

27/05/2019

 

متابعات
يحرص سكان العاصمة اليمنية صنعاء على التمسك بعاداتهم وطقوسهم الرمضانية التي توارثوها عن أسلافهم منذ أمد بعيد، ومن بينها تكحيل أعين الرجال بالإثمد والإقليد في باحات المسجد الكبير، أحد أشهر المساجد التاريخية في المدينة.
عقب صلاة العصر، يصطف مجموعة من الرجال والأطفال أمام مجموعة من الرجال المسنين الذين يجلسون القرفصاء على مقاعدهم الخاصة، وأمامهم “المكحلة” وهي وعاء مزخرف مصنوع من الخشب أو النحاس، يُحفظ فيها الكحل.
إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم
ويتمسك اليمنيون بكحل العينين لإحياء سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله “نِعم الكحل الإثمد فاكتحلوا به فإنه ينبت الشعر ويقطع الدمعة ويجلو البصر”، ولذا يقطع العشرات مسافة بعيدة للوصول إلى المدينة القديمة حيث يقع الجامع الكبير.
ويبحث آخرون عن شفاء علل أصابت أعينهم، فالكحل-وفقا لأحاديثهم- يصحح النظر ويزيح غشاوة العين ويكثّف من أهدابها ويصفي ماءها، وأن من يداوم على الكحل فإنه لا يُصاب بالعمى أو بضعف البصر حتى وإن تقدم به العمر.

لحظات التفاصيل المؤلمة

وفي الباحة القريبة من قبة الزيت التي بناها العثمانيون في الجامع الكبير، يبدو الأمر للوهلة الأولى كأن طامة حلت، إذ يضع بعض الرجال أيديهم على رؤوسهم، وآخرون يمشون على غير هدى كأنهم صرعى وهم يذرفون الدمع.
كان من بينهم الشاب علاء إبراهيم الذي ظل صامتا لدقائق بعد أن انتهى من تكحيل عينيه، محاولا أن يتماسك حتى لا يظهر أمام الآخرين ضعيفا، ويقول “كنت أود الصراخ والبكاء من شدة الألم، شعرت بأن النار تشب في عينيّ”.
ويضيف للجزيرة نت “خشيت حينها من أن أفقد بصري، وقلت ربما هناك أمر خاطئ”.
ويُسبب الكحل الذي يُستخرج من حجر الإثمد -الموجود في أصفهان بإيران والمغرب العربي ودول الشام- لهيبا شديدا للعينين، غير أنه ما يلبث أن يخمد بعد دقائق، وتعود بعده العينان كما كانتا في حالتهما الأولى.
ولم يكن علاء هو الوحيد من عاش تلك التفاصيل المؤلمة، بل إن كل من اكتحل اضطر للاستعانة بأحدهم ليقوده إلى مكان بعيد من تجمع الناس حتى يتمالك نفسه، أما قليل من الأطفال الذين خاضوا غمار التجربة فقد صرخوا بالبكاء.
دواء وجمال
ويشرح علاء للجزيرة نت بأنه شعر بالارتياح بعد أن زال مفعول الكحل، ويؤكد أن النتائج جعلته يعيد التفكير بخوض عمار التجربة مرة أخرى، ويقول مازحا “لكن ليس الآن.. مرة أخرى، فالألم لا يزال في عيني”.
وبملابسه التقليدية البيضاء التي يرتديها سكان صنعاء القديمة يتكئ الحاج إسماعيل البواب -وهو أشهر المكحلين- على مجلسه، وبإحدى يديه ميل الكحل المصنوع من الفضة، وفي رمضان من كل عام يقدم الكحل دون مقابل لمن يريد.
ومع زيادة الإقبال عليه فإن عددا من الرجال المسنين يتطوعون لمساعدته، ليتقاضوا بعض المال الذي يقدمه البعض بصورة طوعية، من بينهم حسن الفقيه الذي يجمع في نهاية اليوم قرابة ثلاثة آلاف ريال (6 دولارات).
سنة متوارثة بشهر رمضان
ويقول الفقيه للجزيرة نت إن الكحل دواء للعينين وعلاج لأمراض الشقيقة والصداع النصفي، وهو سنة متوارثة في شهر رمضان، ويأتي على نوعين، الإثمد والإقليد، والأخير يستخرج من عود شجرة الإقليد التي تتوفر في ضواحي صنعاء.
ويتداول اليمنيون قصصا تاريخية تروي أن زرقاء اليمامة -وهي امرأة نجدية من جَديس في الجزيرة العربية اشتهرت بحدة بصرها- كانت تستخدم كحل الإثمد.
وكونه زينة للنساء، فإن الأمهات في القرى والأرياف اليمنية يحرصن على تكحيل الأطفال حديثي الولادة، لصحة عيونهم ولإضفاء مسحة من الجمال.
للطب رأي آخر
ورغم تمسك اليمنيين بطقوسهم الرمضانية فإن للطب رأيا آخر ربما يكون صادما لهم، إذ انقسم الأطباء في اليمن بين مؤيد ومعارض له، لكنهم اتفقوا على أنه كما للكحل من فوائد للعين فإنه قد يسبب أضرارا، خاصة لمن يعانوا من حساسية العين.
ويقول الطبيب عبده سالم للجزيرة نت إن أطباء العيون لا يزالون مختلفين كون استخدام الكحل شائعا، ولكن لا توجد دراسة دقيقة حوله، غير أنه يرى بأنه جيد إذا كان خاليا من الشوائب والبكتيريا والرصاص والفطريات.
ويوضح “أحيانا يكون الكحل فيه نسبة من الرصاص أو البكتيريا، فيسبب انسدادا في القناة الدمعية للعين”.
* نقلا عن الجزيرة نت