الجمعة , 4 ديسمبر 2020
الرئيسية » اخبار وتقارير » ليلة العاصفة.. يرويها زائر لمنزل الرئيس الغشمي

ليلة العاصفة.. يرويها زائر لمنزل الرئيس الغشمي

24/09/2020

يحيى منصور أبو أصبع

عن عبدالوارث عبدالكريم

في منزل أحمد منصور أبو أُصبع الكائن في الدائري الغربي، حضر اللقاء عبدالحفيظ بهران، وعبدالله الوصابي، وأحمد قاسم دماج، وزيد مطيع دماج. وهؤلاء جميعاً عبارة عن أسرة واحدة تربطها ببعضها علاقات عضوية. وكل واحد منهم يعتبر قضيته قضيتي ومتاعبي متاعبه، والجميع في حزب واحد. بعد أن سمعوا مني شرحاً وافياً عن اللقاء بالرئيس الغشمي، كان التربص والقلق وفرك الأيدي سيد الموقف.
قال الوصابي: “قُلَّنا تقييمك، يا أخ يحيى، ما سمعنا هو شرح لما جرى، لكن ماذا تستنتج من مثل هكذا حفاوة واستقبال حار حتى نقدر نتكلم؟”. قلت لهم: “أنا عليَّ الشرح وتوضيح ما جرى، أما ما يكون خلف الأكمة، وما بين السطور، هذا عليكم، أنتم أكبر مني سناً وخبرة وتجربة وتواجداً في صنعاء”.
كان التركيز من الحضور على قول الرئيس أنه سيتقبلني في منزله، وفي منزله سيجري الحديث حول كل شيء، أما القصر الجمهوري فهو بيت الدولة، وهنا جرى النقاش والأخذ والرد، بالصوت العالي تارة، والهادئ تارة أخرى، حتى كاد أن يُسمَع الصِّيَاح إلى الشارع. وأما عبدالحفيظ فلم يقدر على الجلوس، كان يلوي من رأس المكان إلى أسفله، وكاد يحصل إجماع على عدم الذهاب “إلى القدر المحتوم”، فما زالت “ضيافة الحمدي وأخيه” جاثمة بقوة في عقولهم وقلوبهم، وما زالت طازجة حاضرة تملأ المكان ومن في المكان بضغط ثقيل يكاد يكتم الأنفاس. أما أحمد منصور فكان يحملق إلى السقف ويفرك بنانه ويحك أنفه بعنف، ولم يبق أحد معي في الذهاب إلى الموعد إلا زيد مطيع؛ من منطلق أن “عدم الذهاب سوف يدمر المنطقة تدميراً شاملاً.. وأما من في هذا المكان سوف يتعرضون للاعتقال، لأن هذه اللقاءات لا شك أن الأجهزة الأمنية ترصدها وسوف نُقِيم على أنفسنا حُجَّة أننا وراء فرار الأخ يحيى من صنعاء، ثم ماذا نقول للشيخ محمد الغشمي، وكان الأفضل ألا يأتي من البداية”.
وصل عبدالوارث عبدالكريم، ومعه علي مثنى جبران، قائد سلاح المدفعية في حصار السبعين يوماً. تنفس الجميع الصعداء بمجيء عبدالوارث، كونه صاحب الكلمة الفصل، وأما أنا، وعلى حد تعبير أحمد قاسم، “مُخَزِّن ومُسَجِّر ومُبَلبِل، وكأني في زفة عُرس”! قلت له: “يا أستاذ قالوا بالأمثال اقتله بين سبعة عُرس. وإذا أُنزلت السماء فوق الأرض ما يشل الإنسان إلا وَطن [مكان] رأسه”.
تحدث الوصابي لعبدالوارث عن الرأي الغالب عند الحاضرين، وهو أن الذهاب مخاطرة نحو الهاوية.. وكلام كثير. [وقال مخاطباً عبدالوارث]: “الآن أنت مسؤول الحزب [الديمقراطي] والاستخبارات والأمن.. قُل لنا رأيك.. قد إحنا مَشْبُوجِين وَاقِشِين”. سكت الجميع، وعبدالوارث استمر في صمته، ويأخذ أغصان قات من عندي، فانفجر في وجهه الأخ عبدالحفيظ بهران بلهجته الإبِيِّة: “هِيَّا للمو التِّرِتَّاح والتَّرْخَمَة؟! قُل شيء.. قَرَّحْك قلوبنا!”. فانفجر الجميع بالضحك. قال عبدالوارث: “ما هو رأي الأخ يحيى وتقديراته في ضوء لقائه بالرئيس؟”. وعاد عبدالوارث للضحك من تعليق عبدالحفيظ. قُلتُ: “سوف أذهب إلى بيت الرئيس، وأنا على ثقة أنه لن يحدث لي أي مكروه، وأتوقع أني لن أخرج من لقائه إلا وقد رفع الحملة العسكرية، وأطلق السجناء، وعندي اعتبارات موضوعية سيراعيها الرئيس، وإذا أرادني بسوء فليس الآن، وإنما في غير هذا الظرف”. وقُلتُ لهم: “شعرت والرئيس يستقبلني أنه يريد مني شيئاً لن يجده إلا عندي”. عَلَّق عبدالوارث: “هذا هو القرار الصائب، وهو رأي منظمة الحزب، وكان الأخ محمد الشيباني هو المكلف بإبلاغه إليكم إلا أن مهمات مستعجلة أرغمته على سرعة التحرك إلى الحديدة وتعز، ولهذا أكتفي بهذا”. واستطرد قائلاً: “وهذا المناضل علي مثنى جبران وصل أمس من دِمْت ومعه رسالة للأخ يحيى ولمنظمة صنعاء [منظمة الحزب الديمقراطي في صنعاء]”. ثم التفت إلى علي مثنى جبران، وقال: “تحدث، الحضور كلهم قادتنا وكبارنا، فلا حرج من ما تقول”.
قال علي مثنى جبران، إن رئيس هيئة التعاون الأهلي للتطوير في “دِمْت” من بعد خروجه من السجن اُنتخب بالإجماع من الهيئة العمومية للتعاون في “دِمْت”، ثم فتح دفتر كان في جيبه وقرأ منه رسالة موجزة من ناجي محسن الحلقبي، وهو عضو لجنة مركزية في الحزب الديمقراطي، ومسؤول العمل الحزبي والعسكري في المنطقة الوسطى. خلاصة الرسالة أنه “غير مسموح ترك السلطة تستفرد بمنطقة “جِبلة”، و”جبل التَّعْكَر” ومنطقة “الرَّبَادِي”، بعد أن يتم لها سحق المنطقة، وتشريد السكان سوف تنتقل، وبكل ضراوة، إلى منطقة أخرى، ولهذا قد جهزوا أعداداً كبيرة من المقاتلين التابعين لمنطقة “حُبِيش” الشعب الثوري للانطلاق إلى “الرَّبَادِي”، وينتظرون موافقة الأخ يحيى منصور”. قُلتُ له: “ألف شكر على الاهتمام والتعاون والتعاضد، إلا أنني في هذه المنطقة لديَّ قرار وسياسة منذ أول حملة عسكرية خرجت علينا في عام 1972، بعدم المواجهة العسكرية تماماً مهما بلغت الاستفزازات والتحرشات، لأنها منطقة حزبية من “المَخَادِر” إلى “القاعدة” و”السَّيَانِي”، و”ذي السُّفَال”، ومديريات إب و”حُبِيش”، و”بَعْدَان”، وينبغي أن نستمر في إبعادها عن العمل العسكري”.
جرى الحديث في أمور شتى، ثم تفرق الجميع. وفي اليوم الثاني، وكان يوم جمعة، ذهب أحمد منصور إلى الأخ حمود قطينة، وأحمد صديق للشيخ محمد قطينة، والأخ حمود قطينة هو قائد قوات الاحتياط، أكبر لواء عسكري، ووضعه في صورة الموقف، وعَبَّر له عن قلقه وخوفه عليَّ، فالتزم له أنه سيتواصل مع الرئيس، وسوف يوصلني بنفسه إلى بيت الرئيس. طبعاً، حمود قطينة كان محل ثقة الحمدي، وهو نفسه كان من رجالات الحمدي المخلصين، ولكن ماذا يفعل وقد وقع الفأس بالرأس.
ثم جاء يوم الفصل، إن يوم الفصل كان مشهوداً. أخذني أحمد منصور، وعبدالله الوصابي، إلى منزل حمود قطينة. في الشارع قابلنا الإخوان أحمد الكدادي، وعايش النصيري، وهما من أبطال “السبعين اليوم”، ومن القيادة العسكرية للحزب الديمقراطي. اعترضا بشدة على ذهابي إلى الرئيس، وقالا: “لقد قتلوا الحمدي، وهو قبلة الجيش والشعب ومعبودهما”. وعَلَّق عايش النصيري قائلاً: “أنت با يدوا لك واحدة حبشية مش فرنسية”. عَلَّقت عليهما وشكرتهما على خوفهما عليَّ، وقلت لهما المثل الذي يقول: “من هم الموت قتلته الفجايع”.
وصلنا البيت، وظلوا في حديث عن إب، بحكم أن حمود قطينة قد تولى قيادة المحافظة عسكرياً لفترة قصيرة، وقد وصل إلى قريتنا في “الرَّبَادِي” أكثر من مرة هو وأحمد منصور وأخيه الشيخ محمد قطينة، والكثير من الشخصيات الاجتماعية ذات التأثير الواسع، وكان هو، ومجاهد أبو شوارب، ويحيى المتوكل، على علاقة مباشرة بصدام حسين، ومحسوبين على حزب البعث. ثم انطلقنا بطقم حمود قطينة. وصلنا بعد أذان المغرب إلى منزل الرئيس. جلسنا في غرفة الحراسة في مدخل البيت. كان موجوداً فيها الضباط والقادة أحمد فرج، ومحسن سريع، وعلي عبدالله صالح قائد محور تعز، والشيخ أحمد علي المطري، والشيخ مانع الصيح، شيخ “مَنَار آنس”، وآخرون. والغرفة بسيطة ومؤثثة بأسِرِّة تهامية خشب سقف النخيل. جرى السلام، فقدمني حمود قطينة للحضور: “هذا الشيخ يحيى منصور أبو أُصبع”. فَزَّ علي عبدالله صالح، قائد تعز، من مكانه، وقال: “هو هذا يحيى منصور الذي دَوَّخ بنا، أَدَّى لنا الدُّوَار.. كنت أتصور أنه طويل عريض بدقن مثل كاسترو وإذا هو هذا الحَبَّة والرُّبع (سيارة تويوتا صغيرة الحجم سريعة الحركة)!”. وأضاف: “ذَلحِين رِجَّال الذي وصلت عند الرئيس”. وأضاف: “عاد الجماعة في إب بيبعثوا تقارير فيها تهويل أنك بِعت التَّعْكَر لسالم رُبَيِّع علي، وعندك خبراء كوبيين، بس أنا ما صدقت هذا التهويل”. وتدخل الشيخ أحمد علي المطري قائلاً: “لا تصدقوا هذه الدعايات والتلفيقات على بيت أبو أصبع في إب، أنا ضامن على يحيى منصور في حال ومال، اِعقلوا هذا من صبيان ذو محمد، احمدو الله أنه قدر يدخل ويتزعم في هذه المناطق وهو في الأصل من برط.. هيا بطلوا هذه الخزعبلات. ارفعوا العساكر من بيوت ذو محمد في الربادي”. هذا الحديث من الشيخ المطري أراحني ورفع معنوياتي، وبعد عشرين دقيقة جاء محمد الآنسي وطلبني أنا والشيخ المطري فقط، وعلى الآخرين الانتظار، وقدمت الشيخ أحمد علي المطري قبلي؛ دخلت وقلت له: “أنت بمقام أبي، ولا يمكن أن ترتفع العين على الحاجب”. دخلنا الديوان. قام الغشمي واستقبلني بالأحضان إلى درجة لفت انتباه الحضور، وقدمني: “هذا الشيخ يحيى منصور أبو أصبع”. كان حاضراً كلٌّ من عبدالعزيز عبدالغني، وعبدالله الأصنج، وعبد السلام مقبل، والشيخ حمود عاطف، ومحمد أحمد الجنيد، ومحمد أحمد الكباب، أطال الله في عمره، وآخرون. أجلسني بجانبه، وقال: “لحظة نشوف موجز الساعة السابعة”. استمع لموجز الأنباء وقام وأخذ بيدي نحو الداخل، ومرينا بحجرة طويلة، ثم حجرة صغيرة، حتى وصلنا الغرفة. كانت المسافة طويلة رتيبة وكأنها دهر، وقد أخذ ينال مني الرعب والخوف، وتوقع النهاية الحتمية، أثناء المشي. كان ماسكاً بيدي دون حديث، ولا أشعرني بأنه سيأخذني إلى مكان جانبي حتى لا يشاركنا الحديث أحد. وصلنا غرفة اللقاء, غرفة مربعة منارة بلمبة حمراء وقفت في باب الغرفة والرئيس ذهب لإنارة الضوء, فرأيت الغرفة مكتظة بالمسجلات وأجهزة التصوير، وكانت هذه الأجهزة ذات أحجام كبيرة في تلك الأيام. فأردت أن أخرج عن وضعي الصعب، وأعصابي المقبوضة المتوترة، فتماسكت وتذكرت بيت الشعر: “وإذا لم يكن من الموت بد.. فمن العار أن تموت جباناً”، وقلت: “هذه الأجهزة والغرفة يظهر أنها حق التسجيل؟”. رد عليَّ الرئيس: “نعم، لكن أنا لا أسجل عليك أنت، أنا مش مثل صاحبك كان يسجل لقاءاتك معه (عرفت أنه يقصد الرئيس الحمدي)”. قُلتُ في قرارة نفسي: “إذاً فهي محاكمة، سوف يفتح الشريط حق آخر لقاء بالحمدي، الذي حذرته من الغشمي، وتحاملت عليه”. وقُلتُ في نفسي: “يرحمك الله يا يحيى منصور، فقد حاول الإخوان يمنعونك من هذه الضيافة”. المهم طار عقلي وذهني في شتى المضارب والمقالب والآفاق.
جلس الرئيس على الكرسي، وطلب مني الجلوس أمامه، وقال: “هيا هات ما عندك، أشتي أنجز أمورك حتى ندخل بالحديث، وأنت مطمئن بلا هموم عن البلاد”. فتنفست الصعداء، وقد ذكرت نصيحة عبدالوارث، وأختي نورية، حول رباطة الجأش. قُلتُ له: “عليَّ حملة عسكرية عاثت فساداً في البلاد وفي بيوتنا، وأخذوا عباد الله إلى المعتقلات، فهل يرضيك تشرد عوائل ونساء ذو محمد في ظل رئاستك؟!”. فاستُفِز وقال: “اكتب إلى المحافظ، وإلى القائد يرفع الحملة فوراً وإطلاق المساجين”. قُلتُ له: “هل أكتب أنا؟”. قال: “نعم، اكتب الذي تريد، وأنا أوقع وأختم”، أشار إلى القلم والبياض، فبدأت الكتابة، وأنا مش مصدق (نقلة من الموت إلى الحياة) هل أنا في حلم؟! كتبت:
الأخ / محافظ إب المحترم
الأخ / قائد إب المحترم
بعد التحية،،،
ارفعوا الحملة العسكرية من الربادي، وأطلقوا كافة المساجين من أهالي الربادي وجبلة وعلى الفور، والأخ يحيى منصور يتحرك حيثما يريد بحرية، فقد التقيت به وسوينا كل الأمور.
رئيس مجلس القيادة
القائد الأعلى للقوات المسلحة
أحمد حسين الغشمي
قرأتها، قال: “لا، مش هكذا، بل اكتب: ارفعوا الحملة العسكرية عن بلاد يحيى منصور أبو أصبع فوراً، وأطلقوا كل المساجين من آل أبو أصبع من دون خسارة، أو تكاليف”. فقلتُ له: “المساجين أكثرهم ليس من بيت أبو أصبع”. قال: “المنطقة والمساجين كلهم بيت أبو أصبع”. وقُلتُ له: “نريد إضافة”. قال: “ما هي؟”. قُلتُ له: “أي قضايا أو دعاوى يتركوها على القضاء”. قال: “لا، اكتب: وأي قضايا أو مشاكل داخلية عسكرية أو مدنية أحيلوها على الرئيس دون أي مساءلة على الشيخ/ النقيب يحيى أبو أصبع”. قُلتُ له: “نكتفي بواحدة شيخ، أو نقيب”. قال: “شيخ على إب، ونقيب هنا عند القبائل”.
وَقَّع الأمر وختمه بالختم، وقال: “هل اطمأنيت؟ الأن أنا أريدك”. وتحدثنا كثيراً. استغرق الوقت ساعة كاملة، سأتناول تفاصيلها في الحلقة القادمة. المهم خرجت من عنده، وكأني قد صعدت إلى السماء الرابعة وحلقت فوق الأرض. شيء لا يصدق، خرجت وسائق حمود قطينة في انتظاري. مشينا قليلاً، وإذا أخي أحمد منصور خلفنا ومعه عبدالرحمن عزّالدين. نزلت من سيارة قطينة، وطلعت سيارة أحمد أخي. قال عبدالرحمن عزالدين: “ليش تأخرت هذا الوقت كله؟! أحمد أخوك قد مات أكثر من مرة، واعتقدنا أنك قد لحقت بالحمدي”.