الثلاثاء , 16 أغسطس 2022
الرئيسية » الرئيسية » محمد-رسول-الله .. مثال الإنسانية المؤمنة

محمد-رسول-الله .. مثال الإنسانية المؤمنة

11/06/2022

 

بقلم :مرعي حميد
اصطفاه الله من بين كل أفراد الجنس البشري في زمنه ليوحي إليه بأعظم رسالاته لأهل الأرض ليُبلغها وكل التعليمات والانباءات التي تتضمنها النسخة الأخيرة من دين الله الحق وليعيش ذلك الإنسان أسوة لسواه على درب الإيمان تطبيقاً لمضامين الرسالة والتزاماً بتعاليمها والعيش متصفاً بأسمى معايير ومعالم التديّن الحق ومقاماته التي جاء بها . ذلك كان محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلّم المولود بمكة لرجل من بني هاشم من قبيلة قُريش العربية وحين يشب يتزوج من أحد ثريات النساء من مكة العامل في تجارتها وهو المُتصف في قومه منذ غض شبابه ونضارة إقباله على الحياة وريعان فتوته بالصادق الأمين . اختاره الله عز وجل ليُبلغ أعظم كلام وأجلّ تعاليم ذات المُعالجة الفذة والمُتميزة لكل القضايا الحيوية التي تعرض للإنسان في حياته وتحتاجها الإنسانية مع كون ( محمد ) رجل أمي ، ولا غرابة فهو واحد من آلاف أفراد الأمة الأمّية التي بُعث فيها ليُبلّغها دين الله ويُبلّغ من بعدها الناس كافة بتوفيق الله عز وجل ، وهذا ما حدث وكان . ومن الناس من أقبل على الله تعالى بفرح ومحبة عابداً مُتبعاً لهديه ، ومنهم من أعرض وامتنع رغم قيام الحُجة و وضوح المحجة ويُسر التعاليم ، والثالث صنف من الناس أوقف نفسه وكل امكاناته و وظفها لمقاومة الدين ودعوة الله رب العالمين فنصر الله عز وجل عبده ورسوله والذين آمنوا معه بعد أن اختبرهم وابتلاهم واتخذ منهم شُهداء وأيّد دينه وحصل له القبول الواسع في مكة المُكرّمة وفي ما حولها من مدن وقرى إلى أقصى المعمورة بمرور الوقت . عاش مع الله جل جلاله المؤمن العميق الإيمان ، الموافق لأمره المُتّبع لوحيه ، البالغ ــ بإذن ربه الوهاب ــ أقصى ذُرى الكمال الروحي الإنساني ، الداعي بهمة فذة وصبر نادر إلى سبيل مرضاته والفوز بجناته ، العابد المُتبتّل القائم بأمر الله على مُراد الله عز وجل ، الشاكر لأنعم الله ، الحريص على ما هو لله أحبّ وأرضى ، المُسارع إلى كل خير ، المُتطهّر من كل دنس ، المُراقب لله تعالى في السر والعلانية ، عاش مع ربه الداعي الخاشع الضارع الكثير الحمد و الاستغفار ، الدعي الواثق بموعود ربه الذي هو على كل شيء قدير . عاش مع الناس المتواضع المِقدام المُتصف بأسمى الأخلاق وأزكى التعاملات ، المُحب لهم والحريص على كل ما ينفعهم في الدُنيا والآخرة بل والبالغ الحرص ، الشفوق على الناس من الإعراض عن سبيل الله فيدخلوا في زُمرة المغضوب عليهم والضالين ، الغضوب حين تُنتهك حُرمات الله . عاش كبيراً في تصريفه القيادي بإذن ربه وبتعاليمه و أوامره ، مُعلماً موِداً حصيفاً ، مُتسامياً على ما يوجه إليه من أذى معنوي أو مادي فلم يلتفت إليه ولم يسمح له بأن يعوقه حتى في أغوار نفسه وكان يدعو الله عز وجل (( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون )) . سيرته أحسن السير ، لا مواطن ضعف ، بل القوة الخالصة من أي المجالات أتيته وبأي الحالات دخلت رحابه ، ومع ذلك فأكره شيء إليه أن يُعظم في ذاته و أن ينصرف الناس إليه بالتقديس والاطراء والتمجيد ، يُعلمهم أن يقولوا (( عبد الله ورسوله )) فهنالك سر التفضّل وموطن الاختيار و الاجتباء فلا دعاوي تميّز تلقائي ولا تصنّع بما ليس فيه وما ليس في مقدوره ، يعرف قدر نفسه فلا يتجاوزه ومُدرك لحدوده فهو المتوقف عندها . حياته عطاء مُتصل وإشراق مُكتمل لم يناله خفوت بل هو التألق المُتصاعد والسناء المُتسامي الآسر بإذن ربه الواحد الأحد ، طبعٌ حبيبٌ تفيئ إليه إنسان القلوب قبل الأجساد في لُجج الحياة وهو القريب من ربه المُتصل الأواب ، لا مد في محاسن طبعه بل هو المد لا يقربه جزر ، حياة الجِد كانت حياته ، حياة ذوي الرسالات العالية والهمم المُتعالية والطاقات المُتقدة الخلّاقة ، السجايا الخلّابة والقسمات الغيد الوهاجة ، والعزمة المُلتاعة . . شمائله محبة وارفة ، مودة باسقة ، لين وبشاشة ، حُلم وأناة ، تبصّر و مُصافاة ، يُحب الفأل و يرضاه ويكره التشاؤم ويتجنبه ، يُسر فلا يُبطر ، يحزن فلا يتحسّر ، زاهداً متقشفاً مُتخففاً من الدُنيا وهي عنده قليلة الشأن والمقدار سريعة الانقضاء والزوال ما أحرى من يعيش أوقاتها أن يُتقن تسخيرها في القيام بوظيفة التعبّد الخالص التي خلق الله الإنس والجنّ للقيام بها ما عاشوا ، لم يعش ترفاً ولم يرض به ، يتقبّل قضاء الله تعالى بروح المؤمن الواثق في تصريف خالقه الرحمن الرحيم وهو به أعلم وأخبر ، القريب الخدوم الذي لا يُجامل ولا يُحابي ، النديم المُلاطف و المُمازح الوقور والناصح الحازم . القائد البصير العدل السمح المُهاب الذي يتخذ ما استطاع من أسباب النجاح والنصر معنوية ومادية ، الذي لا يتردد في مشاورة من يقودهم في رحاب الحق وظلال الإيمان والتقوى ، يستشير وينزل عند الرأي الآخر وهو المؤيد بالوحي ينزل من الله تعالى في ليل أو نهار وفي صُبح أو عشية ، كيف لا وقد جاءت آيات من التنزيل المجيد تحثه على ذلك كما تحثه على أن لا يفارق روحية التوكل على الله عز وجل . أخلاقه الصدق الدائم والعدل الحاكم والرُشد الشامخ ، بالبِر ينبوع دوماً مُغدق مُتدفق ، أخلاقه منهج الحياة الفضلى المثالية ، تُقدم للمتأسين خير نموذج وأقوم نهج ، مشاعره الرهافة البادية والتأثر المُتعمّق ، الرحيم الشفوق المُتصدّق المُتبسّم . لهجته أصدق اللهجات وأوضحها وأفصحها ، منطق عذب ، ومنهل ثر ، موّرد الألفاظ في مُذهّب المعاني ، قول لم يكذب ولم يفحش ، لا يتلجلج ولا يتلعثم بل هو القول البليغ الفصل الموشّى بجامع الكلِم الحُجة في لغته . خلقته الطلعة المُهابة البهية ، وجهه الشرف الرفيع المؤثّل ، مظهره الحُلة السُندسية ، وملبسه الخلعة الوضيئة ، و مشمّه الرائحة الفوّاحة الزكية . رزقه الله بنين وبنات وحفدة وكان لهم ولهنّ نعم الأب الحدوب الناصح وكان يأمر من بلغ منهم بالعمل المُرضي لله لينال منه كرامته وجزاءه في الدنيا والآخرة ، ويُردف لهم أنّه لن يُغني عن أحدهم من الله شيئاً فالعمل العمل .. ، كان مع زوجاته الزوج الكريم الرقيق العاطفة الهيّن العريكة السابغ العدل المُعطي بحسب ما قدّر الله تعالى له من مال ومتاع، يُظهر لهُنّ محبته، ويصغي إليهنّ، ويُمازحهنّ ،ويحرص على تعليمهنّ ما ينفعهنّ من أمر الدين و الدنيا والآخرة.. عاش ثلاث وستون من الأعوام ، ثلاثة وعشرين منها نبياً مُرسلاً من الله الحق المُبين للناس كافة يُبلغهم رسالته ويُبين لهم ما نُزّل إليهم ، يُرّغبهم في وجوه الخير ويُحذرهم من أبواب الشر ، لم يترك باب فضل وقُربى من الله تعالى إلا دلهم عليه ، ولم يدع باب سوء ومُخالفة لرضوان الله إلا بينه وحذّر منه ، عاش عمره لا للدنيا ولكن لله الكبير المُتعال ولدار كرامته جنات النعيم المُقيم .